دلائل الإعجاز في علم المعاني - الجرجاني، عبد القاهر - الصفحة ٣٨
و صادفت لذلك أريحيّة، فانظر لتعرف كما عرفت، و راجع نفسك، و اسبر و ذق، لتجد مثل الذي وجدت»، فإن عرف فذاك، و إلا فبينكما التّناكر، تنسبه إلى سوء التأمّل، و ينسبك إلى فساد في التخيّل.
و إنه على الجملة بحث ينتقي لك من علم الإعراب خالصه و لبّه، و يأخذ لك منه أناسي العيون و حبّات القلوب، و ما لا يدفع الفضل فيه دافع، و لا ينكر رجحانه في موازين العقول منكر.
و ليس يتأتّى لي أن أعلمك من أوّل الأمر في ذلك آخره، و أن أسمّي لك الفصول التي في نيتي أن أحرّرها بمشيئة اللّه عزّ و جلّ، حتى تكون على علم بها قبل موردها عليك. فاعمل على أنّ هاهنا فصولا يجيء بعضها في إثر بعض و هذا أوّلها.
فصل في تحقيق القول على «البلاغة» و «الفصاحة»، و «البيان» و «البراعة»،
و كلّ ما شاكل ذلك، ممّا يعبّر به عن فضل بعض القائلين على بعض، من حيث نطقوا و تكلّموا، و أخبروا السامعين عن الأغراض و المقاصد، و راموا أن يعلموهم ما في نفوسهم؛ و يكشفوا لهم عن ضمائر قلوبهم.
و من المعلوم أن لا معنى لهذه العبارات و سائر ما يجري مجراها، مما يفرد فيه اللّفظ بالنعت و الصّفة، و ينسب فيه الفضل و المزيّة إليه دون المعنى، غير وصف الكلام بحسن الدّلالة و تمامها فيما له كانت دلالة، ثم تبرّجها في صورة هي أبهى و أزين و آنق و أعجب و أحقّ بأن تستولي على هوى النفس، و تنال الحظّ الأوفر من ميل القلوب، و أولى بأن تطلق لسان الحامد، و تطيل رغم الحاسد و لا جهة لاستعمال هذه الخصال غير أن تأتي المعنى من الجهة التي هي أصحّ لتأديته، و تختار له اللفظ الذي هو أخصّ به، و أكشف عنه و أتمّ له، و أحرى بأن يكسبه نبلا، و يظهر فيه مزيّة.
و إذا كان هذا كذلك، فينبغي أن ينظر إلى الكلمة قبل دخولها في التأليف،- و قبل أن تصير إلى الصورة التي بها يكون الكلم إخبارا و أمرا و نهيا و استخبارا و تعجبا، و تؤدّي في الجملة معنى من المعاني التي لا سبيل إلى إفادتها إلا بضمّ كلمة إلى كلمة، و بناء لفظة على لفظة- هل يتصور أن يكون بين اللفظتين تفاضل في
[١] سياق الكلام كما يلي: ينبغي أن ينظر إلى الكلمة قبل ... هل يتصور.