دلائل الإعجاز في علم المعاني - الجرجاني، عبد القاهر - الصفحة ١٨
معجزته باقية على وجه الدهر، أ تعرف له معنى غير أن لا يزال البرهان منه لائحا معرضا لكل من أراد العلم به، و طلب الوصول إليه، و الحجة فيه و به ظاهرة لمن أرادها، و العلم بها ممكنا لمن التمسه؟ فإذا كنت لا تشك في أن لا معنى لبقاء المعجزة بالقرآن إلّا أنّ الوصف الذي له كان معجزا قائم فيه أبدا، و أنّ الطريق إلى العلم به موجود، و الوصول إليه ممكن، فانظر أيّ رجل تكون إذا أنت زهدت في أن تعرف حجّة اللّه تعالى، و آثرت فيه الجهل على العلم، و عدم الاستبانة على وجودها، و كان التقليد فيها أحبّ إليك، و التعويل على علم غيرك آثر لديك، و نحّ الهوى عنك، و راجع عقلك، و اصدق نفسك، يبن لك فحش الغلط فيما رأيت، و قبح الخطأ في الذي توهّمت. و هل رأيت رأيا أعجز، و اختيارا أقبح، ممّن كره أن تعرف حجة اللّه تعالى من الجهة التي إذا عرفت منها كانت أنور و أبهر، و أقوى و أقهر، و آثر أن لا يقوى سلطانها على الشّرك كلّ القوة، و لا تعلو على الكفر كل العلوّ؟ و اللّه المستعان.
فصل في الكلام على من زهد في رواية الشعر و حفظه، و ذمّ الاشتغال بعلمه و تتبّعه
لا يخلو من كان هذا رأيه من أمور:
أحدها: أن يكون رفضه و ذمّه إياه من أجل ما يجده فيه من هزل أو سخف، و هجاء و سبّ و كذب و باطل على الجملة.
و الثاني: أن يذمّه لأنه موزون مقفّى، و يرى هذا بمجرّده عيبا يقتضي الزّهد فيه و التّنزّه عنه.
و الثالث: أن يتعلّق بأحوال الشعراء و أنها غير جميلة في الأكثر، و يقول: قد ذمّوا في التنزيل.
و أيّ كان من هذه رأيا له، فهو في ذلك على خطأ ظاهر و غلط فاحش، و على خلاف ما يوجبه القياس و النّظر، و بالضّد مما جاء به الأثر، و صحّ به الخبر.
أمّا من زعم أنّ ذمّه له من أجل ما يجد فيه من هزل و سخف و كذب و باطل،
[١] و هو قوله تعالى: وَ الشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ أَ لَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ [الشعراء:
٢٢٤- ٢٢٥].