دلائل الإعجاز في علم المعاني - الجرجاني، عبد القاهر - الصفحة ٣٤٠
لا يكون في حروفه ما يثقل على اللسان، لأنه لو كان يصحّ ذلك، لكان يجب أن يكون السّوقيّ الساقط من الكلام، و السفساف الرّديء من الشعر، فصيحا إذا خفّت حروفه.
و أعجب من هذا، أنّه يلزم منه أن لو عمد عامد إلى حركات الإعراب فجعل مكان كلّ ضمّة و كسرة فتحة فقال: «الحمد للّه»، بفتح الدال و اللام و الهاء، و جرى على هذا في القرآن كلّه، أن لا يسلبه ذلك الوصف الذي هو معجز به، بل كان ينبغي أن يزيد فيه، لأنّ الفتحة كما لا يخفى أخفّ من كلّ واحدة من الضمة و الكسرة.
فإن قال: إن ذلك يحيل المعنى.
قيل له: إذا كان المعنى و العلّة في كونه معجزا خفّة اللّفظ و سهولته، فينبغي أن يكون مع إحالة المعنى معجزا، لأنه إذا كان معجزا لوصف يخصّ لفظه دون معناه، كان محالا أن يخرج عن كونه معجزا، مع قيام ذلك الوصف فيه.
و دع هذا، وهب أنه لا يلزم شيء منه، فإنه يكفي في الدلالة على سقوطه و قلّة تمييز القائل به، أنه يقتضي إسقاط «الكناية» و «الاستعارة» و «التمثيل» و «المجاز» و «الإيجاز» جملة، و اطّراح جميعها رأسا، مع أنها الأقطاب التي تدور البلاغة عليها، و الأعضاد التي تستند الفصاحة إليها، و الطّلبة التي يتنازعها المحسنون، و الرّهان الذي تجرّب فيه الجياد، و النّضال الذي تعرف به الأيدي الشّداد، و هي التي نوّه بذكرها البلغاء و رفع من أقدارها العلماء، و صنّفوا فيها الكتب، و وكّلوا بها الهمم، و صرفوا إليها الخواطر، حتّى صار الكلام فيها نوعا من العلم مفردا، و صناعة على حدة، و لم يتعاط أحد من الناس القول في الإعجاز إلا ذكرها و جعلها العمد و الأركان فيما يوجب الفضل و المزيّة، و خصوصا «الاستعارة» و «الإيجاز»، فإنّك تراهم يجعلونهما عنوان ما يذكرون، و أوّل ما يوردون.
و تراهم يذكرون من «الاستعارة» قوله عز و جل: وَ اشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً [مريم: ٤]، و قوله: وَ أُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ [البقرة: ٩٣]، و قوله عزّ و جلّ:
وَ آيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ [يس: ٣٧]، و قوله عز و جل: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ [الحجر: ٩٤]، و قوله: فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا [يوسف: ٨٠]، و قوله تعالى: حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها [محمد: ٤]، و قوله: فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ [البقرة: ١٦].
[١] أوزار الحرب: أسلحتها: قال الأعشى:
و أعددت للحرب أوزارها
رماحا طوالا و خيلا ذكورا