دلائل الإعجاز في علم المعاني - الجرجاني، عبد القاهر - الصفحة ٧٤
«التفجير» للعيون في المعنى، و أوقع على الأرض في اللفظ، كما أسند هناك الاشتعال إلى الرأس. و قد حصل بذلك من معنى الشّمول هاهنا، مثل الذي حصل هناك. و ذلك أنه قد أفاد أنّ الأرض قد كانت صارت عيونا كلّها، و أن الماء قد كان يفور من كل مكان منها. و لو أجري اللفظ على ظاهره فقيل: «و فجّرنا عيون الأرض، أو العيون في الأرض»، لم يفد ذلك و لم يدلّ عليه، و لكان المفهوم منه أن الماء قد كان فار من عيون متفرّقة في الأرض، و تبجّس من أماكن منها.
و اعلم أنّ في الآية الأولى شيئا آخر من جنس «النظم»، و هو تعريف «الرأس» بالألف و اللام، و إفادة معنى الإضافة من غير إضافة، و هو أحد ما أوجب المزيّة. و لو قيل: «و اشتعل رأسي»، فصرّح بالإضافة، لذهب بعض الحسن، فاعرفه.
و أنا أكتب لك شيئا مما سبيل «الاستعارة» فيه هذا السبيل، ليستحكم هذا الباب في نفسك، و لتأنس به.
فمن عجيب ذلك قول بعض الأعراب: [من الرجز]
اللّيل داج كنفا جلبابه
و البين محجور على غرابه