دلائل الإعجاز في علم المعاني - الجرجاني، عبد القاهر - الصفحة ٢٦٧
و يكفيك أنه يلزم على ما قالوه أن يكون امرؤ القيس حين قال: [من الطويل] قفا نبك من ذكرى حبيب و منزل قاله و هو لا يعلم ما نعنيه بقولنا: أن «قفا» أمر، و «نبك» جواب الأمر، و «ذكرى» مضاف إلى «حبيب»، و «منزل» معطوف على الحبيب و أن تكون هذه الألفاظ قد ترتّبت له من غير قصد منه إلى هذه المعاني. و ذلك يوجب أن يكون قال:
«نبك» بالجزم من غير أن يكون عرف معنى يوجب الجزم، و أتى به مؤخرا عن «قفا»، من غير أن عرف لتأخيره موجبا سوى طلب الوزن.
و من أفضت به الحال إلى أمثال هذه الشناعات، ثم لم يرتدع، و لم يتبيّن أنه على خطأ، فليس إلّا تركه و الإعراض عنه.
و لو لا أنّا نحبّ أن لا ينبس أحد في معنى السّؤال و الاعتراض بحرف إلّا أريناه الذي استهواه، لكان ترك التشاغل بإيراد هذا و شبهه أولى. ذاك لأنّا قد علمنا علم ضرورة أنّا لو بقينا الدهر الأطول نصعّد و نصوّب، و نبحث و ننقّب، نبتغي كلمة قد اتصلت بصاحبة لها، و لفظة قد انتظمت مع أختها، من غير أن توخّي فيما بينهما معنى من معاني النحو، طلبنا ممتنعا، و ثنينا مطايا الفكر ظلّعا. فإن كان هاهنا من يشكّ في ذلك، و يزعم أنه قد علم لاتّصال الكلم بعضها ببعض، و انتظام الألفاظ بعضها مع بعض، معاني غير معاني النحو، فإنا نقول له: هات، فبيّن لنا تلك المعاني، و أرنا مكانها، و اهدنا لها، فلعلّك قد أوتيت علما قد حجب عنّا، و فتح لك باب قد أغلق دوننا: [من الوافر]
و ذاك له إذا العنقاء صارت
مربّبة و شبّ ابن الخصيّ