دلائل الإعجاز في علم المعاني - الجرجاني، عبد القاهر - الصفحة ٢٤٩
الألفاظ المفردة التي هي أوضاع اللغة، قد حدث في مذاقة حروفها و أصدائها أوصاف لم تكن، لتكون تلك الأوصاف فيها قبل نزول القرآن، و تكون قد اختصّت في أنفسها بهيئات و صفات يسمعها السامعون عليها إذا كانت متلوّة في القرآن، لا يجدون لها تلك الهيئات و الصفات خارج القرآن.
و لا يجوز أن تكون في «معاني الكلم المفردة»، التي هي لها بوضع اللغة، لأنّه يؤدي إلى أن يكون قد تجدّد في معنى «الحمد» و «الرب»، و معنى «العالمين» و «الملك» و «اليوم» و «الدين»، و هكذا، وصف لم يكن قبل نزول القرآن. و هذا ما لو كان هاهنا شيء أبعد من المحال و أشنع لكان إيّاه.
و لا يجوز أن يكون هذا الوصف في «ترتيب الحركات و السّكنات»، حتى كأنهم تحدّوا إلى أن يأتوا بكلام تكون كلماته على تواليه في زنة كلمات القرآن، و حتّى كأنّ الذي بان به القرآن من الوصف في سبيل بينونة بحور الشعر بعضها من بعض، لأنّه يخرج إلى ما تعاطاه مسيلمة من الحماقة في: «إنا أعطيناك الجماهر، فصلّ لربّك و جاهر»، «و الطاحنات طحنا».
و كذلك الحكم إن زعم زاعم «أن الوصف الذي تحدّوا إليه هو أن يأتوا بكلام يجعلون له مقاطع، و فواصل، كالذي تراه في القرآن»، لأنّه أيضا ليس بأكثر من التّعويل على مراعاة وزن. و إنما الفواصل في الآي كالقوافي في الشّعر، و قد علمنا اقتدارهم على القوافي كيف هو، فلو لم يكن التحدّي إلّا إلى فصول من الكلام يكون لها أواخر أشباه القوافي، لم يعوزهم ذلك، و لم يتعذّر عليهم. و قد خيّل إلى بعضهم- إن كان الحكاية صحيحة- شيء من هذا، حتى وضع على ما زعموا فصول كلام أواخرها كأواخر الآي، مثل «يعلمون» و «يؤمنون» و أشباه ذلك.
و لا يجوز أن يكون الإعجاز بأن لم يلتق في حروفه ما يثقل على اللسان.
و جملة الأمر أنه لن يعرض هذا و شبهه من الظنون لمن يعرض له إلا من سوء المعرفة بهذا الشّأن، أو للخذلان، أو لشهوة الإغراب في القول. و من هذا الذي يرضى من نفسه أن يزعم أنّ البرهان الذي بان لهم، و الأمر الذي بهرهم، و الهيبة التي ملأت صدورهم، و الرّوعة التي دخلت عليهم فأزعجتهم حتى قالوا: إنّ له لحلاوة، و إنّ عليه لطلاوة، و إنّ أسفله لمعذق، و إنّ أعلاه لمثمر»، إنّما كان لشيء راعهم من مواقع
[١] ذكرها في (سيرة ابن هشام) ... و أن الوليد بن المغيرة قال: «إن لقوله حلاوة، و إن أصله لعذق، و إن فرعه لجناة» هذه رواية ابن إسحاق. أما ابن هشام فرواه: إن أصله لغدق» انظر النهاية في غريب الحديث (٣/ ١٣٧) و انظر الخبر مفصلا في سيرة ابن هشام (١/ ٢١٦).