دلائل الإعجاز في علم المعاني - الجرجاني، عبد القاهر - الصفحة ٢٩٤
ثم إن هاهنا معنى شريفا قد كان ينبغي أن نكون قد ذكرناه في أثناء ما مضى من كلامنا، و هو أنّ العاقل إذا نظر علم علم ضرورة أنه لا سبيل له إلى أن يكثّر معاني الألفاظ أو يقلّلها، لأن المعاني المودعة في الألفاظ لا تتغيّر على الجملة عمّا أراده واضع اللّغة، و إذا ثبت ذلك، ظهر منه أنّه لا معنى لقولنا: «كثرة المعنى مع قلّة اللفظ»، غير أن «المتكلم يتوصّل بدلالة المعنى على المعنى إلى فوائد، لو أنه أراد الدّلالة عليها باللّفظ لاحتاج إلى لفظ كثير.
و اعلم أنّ القول الفاسد و الرأي المدخول، إذا كان صدره عن قوم لهم نباهة و صيت و علوّ منزلة في أنواع من العلوم غير العلم الذي قالوا ذلك القول فيه، ثم وقع في الألسن فتداولته و نشرته، و فشا و ظهر، و كثر الناقلون له و المشيدون بذكره صار ترك النّظر فيه سنّة، و التقليد دينا، و رأيت الذين هم أهل ذلك العلم و خاصّته و الممارسون له، و الذين هم خلقاء أن يعرفوا وجه الغلط و الخطأ فيه لو أنهم نظروا فيه كالأجانب الذين ليسوا من أهله، في قبوله و العمل به و الرّكون إليه، و وجدتهم قد أعطوه مقادتهم، و ألانوا له جانبهم، و أوهمهم النّظر إلى منتماه و منتسبه، ثم اشتهاره و انتشاره و إطباق الجمع بعد الجمع عليه أن الضّنّ به أصوب، و المحاماة عليه أولى. و لربّما بل كلّما ظنّوا أنه لم يشع و لم يتّسع، و لم يروه خلف عن سلف، و آخر عن أوّل، إلّا لأن له أصلا صحيحا، و أنه أخذ من معدن صدق، و اشتقّ من نبعة كريمة، و أنه لو كان مدخولا لظهر الدّخل الذي فيه على تقادم الزّمان و كرور الأيام. و كم من خطأ ظاهر و رأي فاسد حظي بهذا السّبب عند النّاس، حتى بوّءوه في أخصّ موضع من قلوبهم، و منحوه المحبة الصادقة من نفوسهم، و عطفوا عليه عطف الأمّ على واحدها. و كم من داء دويّ قد استحكم بهذه العلّة، حتى أعيا علاجه، و حتّى بعل به الطبيب.
و لو لا سلطان هذا الذي وصفت على الناس، و أنّ له أخذة تمنع القلوب عن التدبّر، و تقطع عنها دواعي التفكّر لما كان لهذا الّذي ذهب إليه القوم في أمر «اللفظ» هذا التمكّن و هذه القوة، و لا كان يرسخ في النفوس هذا الرّسوخ، و تنشعب عروقه هذا الشّعب، مع الذي بان من تهافته و سقوطه و فحش الغلط فيه، و أنّك لا ترى في أديمه من أين نظرت، و كيف صرّفت و قلّبت مصحّا، و لا تراه باطلا فيه شوب من الحق، و زيفا فيه شيء من الفضّة، و لكن ترى الغشّ بحتا و الغيظ صرفا، و نسأل اللّه التوفيق.
[١] الدخل: الفساد و قوله «لظهر الدخل»: جواب الشرط: و هو «كلّما ظنوا».
[٢] بعل الطبيب بأمره: دهش و جرم و لم يدر ما يصنع. القاموس «برم» [٢٤٩] . الأخذة: رقية كالسحر. القاموس «أخذ» [٤٢١] .