دلائل الإعجاز في علم المعاني - الجرجاني، عبد القاهر - الصفحة ٤٩
أن يكون اللفظ دالّا، لأن مراعاة التعادل إنما تصعب إذا احتيج مع ذلك إلى مراعاة المعاني، إذا تأملت- يذهب إلى شيء ظريف، و هو أن يصعب مرام اللفظ بسبب المعنى، و ذلك محال، لأن الذي يعرفه العقلاء عكس ذلك، و هو أنه يصعب مرام المعنى بسبب اللفظ، فصعوبة ما صعب من السّجع، هي صعوبة عرضت في المعاني من أجل الألفاظ، و ذاك أنه صعب عليك أن توفق بين معاني تلك الألفاظ المسجّعة و بين معاني الفصول التي جعلت أردافا لها، فلم تستطع ذلك إلا بعد أن عدلت عن أسلوب إلى أسلوب، أو دخلت في ضرب من المجاز، أو أخذت في نوع من الاتّساع، و بعد أن تلطّفت على الجملة ضربا من التلطّف.
و كيف يتصوّر أن يصعب مرام اللفظ بسبب المعنى، و أنت إن أردت الحقّ لا تطلب اللفظ بحال، و إنما تطلب المعنى، و إذا ظفرت بالمعنى، فاللفظ معك و إزاء ناظرك؟ و إنما كان يتصوّر أن يصعب مرام اللفظ من أجل المعنى، أن لو كنت إذا طلبت المعنى فحصّلته، احتجت إلى أن تطلب اللفظ على حدة. و ذلك محال.
هذا، و إذا توهّم متوهّم أنّا نحتاج إلى أن نطلب اللفظ، و أن من شأن الطلب أن يكون هناك، فإن الذي يتوهم أنه يحتاج إلى طلبه، هو ترتيب الألفاظ في النّطق لا محالة. و إذا كان كذلك، فينبغي لنا أن نرجع إلى نفوسنا فننظر، هل يتصوّر أن نرتّب معاني أسماء و أفعال و حروف في النفس، ثم يخفى علينا مواقعها في النطق، حتى نحتاج في ذلك إلى فكر و روية؟ و ذلك ما لا يشكّ فيه عاقل إذا هو رجع إلى نفسه.
و إذا بطل أن يكون ترتيب اللفظ مطلوبا بحال، و لم يكن المطلوب أبدا إلّا ترتيب المعاني، و كان معوّل هذا المخالف على ذلك، فقد اضمحلّ كلامه، و بان أنه ليس لمن حام في حديث المزية و الإعجاز حول «اللفظ»، و رام أن يجعله السبب في هذه الفضيلة، إلا التّسكّع في الحيرة، و الخروج عن فاسد من القول إلى مثله. و اللّه الموفق للصواب.
فإن قيل: إذا كان اللفظ بمعزل عن المزيّة التي تنازعنا فيها، و كانت مقصورة على المعنى، فكيف كانت «الفصاحة» من صفات اللّفظ البتة؟ كيف امتنع أن يوصف بها المعنى فيقال: «معنى فصيح، و كلام فصيح المعنى»؟.
قيل: إنّما اختصّت الفصاحة باللّفظ و كانت من صفته، من حيث كانت عبارة عن كون اللّفظ على وصف إذا كان عليه، دلّ على المزيّة التي نحن في حديثها، و إذا
[١] سياق الجملة كما يلي: و المتعلل بما ذكرت ... يذهب ...