دلائل الإعجاز في علم المعاني - الجرجاني، عبد القاهر - الصفحة ٣٠
في ذلك أشنع من صنيعهم في الذي تقدّم، و أشبه بأن يكون صدّا عن كتاب اللّه، و عن معرفة معانية، ذاك لأنهم لا يجدون بدّا من أن يعترفوا بالحاجة إليه فيه؛ إذ كان قد علم أنّ الألفاظ مغلقة على معانيها حتى يكون الإعراب هو الذي يفتحها، و أنّ الأغراض كامنة فيها حتى يكون هو المستخرج لها، و أنه المعيار الذي لا يتبيّن نقصان كلام و رجحانه حتى يعرض عليه، و المقياس الذي لا يعرف صحيح من سقيم حتى يرجع إليه، لا ينكر ذلك إلّا من ينكر حسّه، و إلا من غالط في الحقائق نفسه، و إذا كان الأمر كذلك، فليت شعري ما عذر من تهاون به و زهد فيه، و لم ير أن يستقيه من مصبّه، و يأخذه من معدنه، و رضي لنفسه بالنقص و الكمال لها معرض، و آثر الغبينة و هو يجد إلى الرّبح سبيلا.
فإن قالوا: إنّا لم نأب صحّة هذا العلم، و لم ننكر مكان الحاجة إليه في معرفة كتاب اللّه تعالى، و إنما أنكرنا أشياء كثّر تموه بها، و فضول قول تكلّفتموها، و مسائل عويصة تجشّمتم الفكر فيها، ثم لم تحصلوا على شيء أكثر من أن تغربوا على السامعين، و تعايوا بها الحاضرين.
قيل لهم: خبرونا عمّا زعمتم أنه فضول قول، و عويص لا يعود بطائل، ما هو؟
فإن بدءوا فذكروا مسائل التصريف التي يضعها النحويون للرياضة، و لضرب من تمكين المقاييس في النفوس، كقولهم: كيف تبني من كذا كذا؟ و كقولهم: ما وزن كذا؟- و تتبّعهم في ذلك الألفاظ الوحشيّة،، كقولهم: ما وزن «عزويت»؟ و ما وزن «أرونان»؟ و كقولهم في باب ما لا ينصرف: لو سميت رجلا بكذا، كيف يكون الحكم؟- و أشباه ذلك، و قالوا: أ تشكّون أنّ ذلك لا يجدي إلّا كدّ الفكر و إضاعة الوقت؟.
قلنا لهم: أمّا هذا الجنس، فلسنا نعيبكم إن لم تنظروا فيه و لم تعنوا به، و ليس يهمّنا أمره، فقولوا: فيه ما شئتم، وضعوه حيث أردتم، فإن تركوا ذلك و تجاوزوه إلى الكلام على أغراض واضع اللغة، على وجه الحكمة في الأوضاع، و تقرير المقاييس التي اطّردت عليها، و ذكر العلل التي اقتضت أن تجرى على ما أجريت عليه، كالقول
[١] عزويت، على وزن فعليت. قال ابن سيده: و إنما حكمنا عليه بأنه فعليت لوجود نظيره و هو عفريت و نفريت. اه اللسان/ عزا/ (١٥/ ٥٤).
[٢] تقول: يوم أرونان: شديد في كل شيء. وزنه أفوعال و هو من الرنين فيما ذهب إليه ابن الأعرابي، و هو عند سيبويه أفعلان من قولك: كشف الله عنك رونة هذا الأمر أي غمّته و شدته.
اللسان/ رنن/ (١٣/ ١٨٧)