دلائل الإعجاز في علم المعاني - الجرجاني، عبد القاهر - الصفحة ٢٠٧
و ذلك أنه هل شيء أبين في الفائدة، و أدلّ على أن ليس سواء دخولها و أن لا تدخل، أنك ترى الجملة إذا هي دخلت ترتبط بما قبلها و تأتلف معه و تتّحد به، حتى كأن الكلامين قد أفرغا إفراغا واحدا، و كأن أحدهما قد سبك في الآخر؟
هذه هي الصّورة، حتى إذا جئت إلى «إنّ» فأسقطتها، و رأيت الثاني منهما قد نبا عن الأول، و تجافى معناه عن معناه، و رأيته لا يتّصل به و لا يكون منه بسبيل، حتى تجيء «بالفاء» فتقول: «بكّرا صاحبي قبل الهجير، فذاك النجاح في التبكير»، و «غنّها و هي لك الفداء، فغناء الإبل الحداء»، ثم لا ترى «الفاء» تعيد الجملتين إلى ما كانتا عليه من الألفة، و لا تردّ عليك الذي كنت تجد «بإنّ» من المعنى.
و هذا الضرب كثير في التنزيل جدّا، من ذلك قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ [الحج: ١]، و قوله عزّ اسمه: يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَ أْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَ انْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ اصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [لقمان: ١٧]، و قوله سبحان: خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَ تُزَكِّيهِمْ بِها وَ صَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ [التوبة: ١٠٣]، و من أبين ذلك قوله تعالى: وَ لا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ [هود: ٣٧] [المؤمنون:
٢٧]، و قد يتكرّر في الآية الواحدة كقوله عز اسمه: وَ ما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ [يوسف ٥٣]، و هي على الجملة من الكثرة بحيث لا يدركها الإحصاء.
و من خصائصها أنك ترى لضمير الأمر و الشأن معها من الحسن و اللّطف ما لا تراه إذا هي لم تدخل عليه، بل تراه لا يصلح حيث صلح إلا بها، و ذلك في مثل قوله تعالى: إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَ يَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [يوسف: ٩] و قوله:
أَنَّهُ مَنْ يُحادِدِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ، فَأَنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ [التوبة: ٦٣]، أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ [الأنعام: ٥٤]، و قوله: إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ [المؤمنون: ١١٧]، و من ذلك قوله: فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ [الحج: ٤٦]، و أجاز أبو الحسن فيها وجها آخر، و هو أن يكون الضمير في «إنها» للأبصار، أضمرت قبل الذكر على شريطة التفسير. و الحاجة في هذا الوجه أيضا إلى «إنّ» قائمة، كما كانت في الوجه الأوّل فإنه لا يقال: «هي لا تعمى الأبصار» كما لا يقال:
«هو من يتّق و يصبر فإن اللّه لا يضيع».
[١] أبو الحسن: المراد به الأخفش الأوسط و هو سعيد بن مسعد.
دلائل الإعجاز في علم المعاني، ص: ٢٠٨
فإن قلت: أو ليس قد جاء ضمير الأمر مبتدأ به معرّى من العوامل في قوله تعالى: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ؟.
قيل: هو و إن جاء هاهنا، فإنه لا يكاد يوجد مع الجملة من الشرط و الجزاء، بل تراه لا يجيء إلا «بإنّ»، على أنّهم قد أجازوا في «قل هو اللّه أحد»، أن لا يكون الضمير للأمر.
و من لطيف ما جاء في هذا الباب و نادره، ما تجده في آخر هذه الأبيات، أنشدها الجاحظ لبعض الحجازيّين: [من الطويل]
إذا طمع يوما عراني قريته
كتائب يأس، كرّها و طرادها
أكد ثمادي، و المياه كثيرة
أعالج منها حفرها و اكتدادها
و أرضى بها من بحر آخر، إنّه
هو الرّيّ أن ترضى النّفوس ثمادها