دلائل الإعجاز في علم المعاني - الجرجاني، عبد القاهر - الصفحة ٧٣
و من دقيق ذلك و خفيّه، أنك ترى الناس إذا ذكروا قوله تعالى: وَ اشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً [مريم: ٤]، لم يزيدوا فيه على ذكر الاستعارة، و لم ينسبوا الشرف إلا إليها، و لم يروا للمزيّة موجبا سواها. هكذا ترى الأمر في ظاهر كلامهم. و ليس الأمر على ذلك، و لا هذا الشرف العظيم، و لا هذه المزيّة الجليلة، و هذه الرّوعة التي تدخل على النفوس عند هذا الكلام لمجرّد الاستعارة، و لكن لأن سلك بالكلام طريق ما يسند الفعل فيه إلى الشيء، و هو لما هو من سببه، فيرفع به ما يسند إليه، و يؤتى بالذي الفعل له في المعنى منصوبا بعده، مبيّنا أن ذلك الإسناد و تلك النسبة إلى ذلك الأوّل، إنّما كانا من أجل هذا الثاني، و لما بينه و بينه من الاتصال و الملابسة، كقولهم: «طاب زيد نفسا»، و «قرّ عمرو عينا»، و «تصبّب عرقا»، و «كرم أصلا»، و «حسن وجها»، و أشباه ذلك مما تجد الفعل فيه منقولا عن الشيء إلى ما ذلك الشيء من سببه.
و ذلك أنّا نعلم أنّ «اشتعل» للشيب في المعنى، و إن كان هو للرأس في اللّفظ، كما أن «طاب» للنفس، و «قرّ» للعين، و «تصبّب» للعرق، و إن أسند إلى ما أسند إليه. يبيّن أنّ الشرف كان لأن سلك فيه هذا المسلك، و توخّي به هذا لمذهب أن تدع هذا الطريق فيه، و تأخذ اللّفظ فتسنده إلى الشيب صريحا فتقول: «اشتعل شيب الرأس»، أو «الشيب في الرأس»، ثم تنظر هل تجد ذلك الحسن و تلك الفخامة؟ و هل ترى الرّوعة التي كنت تراها؟
فإن قلت: فما السبب في أن كان «اشتعل» إذا استعير للشيب على هذا الوجه، كان له الفضل؟ و لم بان بالمزية من الوجه الآخر هذه البينونة؟
فإنّ السبب أنه يفيد، مع لمعان الشيب في الرأس الذي هو أصل المعنى، الشمول، و أنه قد شاع فيه، و أخذه من نواحيه، و أنه قد استغرقه و عمّ جملته، حتى لم يبق من السواد شيء، أو لم يبق منه إلا ما لا يعتدّ به. و هذا ما لا يكون إذا قيل:
«اشتعل شيب الرأس، أو الشيب في الرأس»، بل لا يوجب اللفظ حينئذ أكثر من ظهوره فيه على الجملة. و وزان هذا أنك تقول: «اشتعل البيت نارا» فيكون المعنى: أن النار قد وقعت فيه وقوع الشّمول، و أنها قد استولت عليه و أخذت في طرفيه و وسطه. و تقول: «اشتعلت النار في البيت»، فلا يفيد ذلك، بل لا يقتضي أكثر من وقوعها فيه، و إصابتها جانبا منه. فأما الشمول، و أن تكون قد استولت على البيت و ابتزّته، فلا يعقل من اللفظ البتة.
و نظير هذا في التنزيل قوله عز و جل: وَ فَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً [القمر: ١٢]،