دلائل الإعجاز في علم المعاني - الجرجاني، عبد القاهر - الصفحة ١٦٥
هذه فصول شتّى في أمر «اللفظ» و «النظم» فيها فصل شحذ للبصيرة، و زيادة كشف عمّا فيها من السريرة
[فصل منه في أن معارضة الكلام في البلاغة بحسب معناه لا لفظه]
و غلط النّاس في هذا الباب كثير. فمن ذلك أنّك تجد كثيرا ممن يتكلّم في شأن البلاغة، إذا ذكر أن للعرب الفضل و المزيّة في حسن النظم و التأليف، و أن لها في ذلك شأوا لا يبلغه الدّخلاء في كلامهم و المولّدون، جعل يعلّل ذلك بأن يقول: «لا غرو، فإن اللّغة لها بالطّبع و لنا بالتكلّف، و لكن يبلغ الدّخيل في اللغات و الألسنة مبلغ من نشأ عليها، و بدئ من أوّل خلقه بها»، و أشباه هذا مما يوهم أن المزية أتتها من جانب العلم باللّغة. و هو خطأ عظيم و غلط منكر يفضي بقائله إلى رفع الإعجاز من حيث لا يعلم. و ذلك أنه لا يثبت إعجاز حتى تثبت مزايا تفوق علوم البشر، و تقصر قوى نظرهم عنها، و معلومات ليس في منن أفكارهم و خواطرهم أن تفضي بهم إليها، و أن تطلعهم عليها، و ذلك محال فيما كان علما باللغة، لأنه يؤدّي إلى أن يحدث في دلائل اللغة ما لم يتواضع عليها أهل اللغة. و ذلك ما لا يخفى امتناعه على عاقل.
و اعلم أنا لم نوجب المزيّة من أجل العلم بأنفس الفروق و الوجوه فنستند إلى اللغة، و لكنا أوجبناها للعلم بمواضعها، و ما ينبغي أن يصنع فيها، فليس الفضل للعلم بأن «الواو» للجمع، و «الفاء» للتعقيب بغير تراخ، و «ثم» له بشرط التراخي، و «إن» لكذا و «إذا» لكذا، و لكن لأن يتأتّى لك إذا نظمت شعرا و ألّفت رسالة أن تحسن التخيّر، و أن تعرف لكلّ من ذلك موضعه.
و أمر آخر إذا تأمله الإنسان أنف من حكاية هذا القول، فضلا عن اعتقاده، و هو أنّ المزية لو كانت تجب من أجل اللّغة و العلم بأوضاعها و ما أراده الواضع فيها، لكان ينبغي أن لا تجب إلا بمثل الفرق بين «الفاء» و «ثم» و «إن» و «إذا» و ما أشبه ذلك، مما يعبّر عنه وضع لغويّ، فكانت لا تجب بالفضل و ترك العطف، و بالحذف و التّكرار، و التقديم و التأخير، و سائر ما هو هيئة يحدثها لك التأليف، و يقتضيها الغرض الذي تؤمّ، و المعنى الذي تقصد، و كان ينبغي أن لا تجب المزيّة بما يبتدئه الشاعر و الخطيب في كلامه من استعارة اللّفظ للشيء لم يستعر له، و أن لا تكون الفضيلة إلّا في استعارة قد تعورفت في كلام العرب. و كفى بذلك جهلا.
[١] المنة: بالضم القوة. القاموس «منن» [١٥٩٤] .