دلائل الإعجاز في علم المعاني - الجرجاني، عبد القاهر - الصفحة ٣٠٠
نسقا و ترتيبا، حتى تكون الأشياء مختلفة في أنفسها، ثم يكون للذي يجيء بها مضموما بعضها إلى بعض، غرض فيها و مقصود، لا يتمّ ذلك الغرض و ذلك المقصود إلّا بأن يتخيّر لها مواضع، فيجعل هذا أوّلا، و ذلك ثانيا؟ فإنّ هذا ما لا شبهة فيه على عاقل. و إذا كان الأمر كذلك، لزمك أن تبيّن الغرض الذي اقتضى أن تكون ألفاظ القرآن منسوقة النّسق الذي تراه.
و لا مخلص له من هذه المطالبة، لأنه إذا أبى أن يكون المقتضي و الموجب للذي تراه من النّسق، المعاني و جعله قد وجب لأمر يرجع إلى اللّفظ، لم تجد شيئا يحيل في وجوبه عليه البتّة، اللهمّ إلا أن يجعل الإعجاز في الوزن، يزعم أنّ «النسق» الذي تراه في ألفاظ القرآن إنما كان معجزا، من أجل أن كان قد حدث عنه ضرب من الوزن يعجز الخلق عن أن يأتوا بمثله.
و إذا قال ذلك، لم يمكنه أن يقول: «إن التحدّي، وقع إلى أن يأتوا بمثله في فصاحته و بلاغته»، لأنّ الوزن ليس هو من الفصاحة و البلاغة في شيء، إذ لو كان له مدخل فيهما، لكان يجب في كلّ قصيدتين اتّفقتا في الوزن أن تتّفقا في الفصاحة و البلاغة.
فإن دعا بعض الناس طول الإلف لما سمع من أن الإعجاز في اللفظ، إلى أن يجعله في مجرّد الوزن كان قد دخل في أمر شنيع، و هو أن يكون قد جعل القرآن معجزا، لا من حيث هو كلام، و لا بما به كان لكلام فضل على كلام! فليس بالوزن ما كان الكلام كلاما، و لا به كان كلام خيرا من كلام.
و هكذا السبيل إن زعم زاعم أن الوصف المعجز هو «الجريان و السّهولة»، ثم يعني بذلك سلامته من أن تلتقي فيه حروف تثقل على اللّسان لأنه ليس بذلك كان الكلام كلاما، و لا هو بالذي يتناهى أمره إن عدّ في الفضيلة إلى أن يكون الأصل، و إلى أن يكون المعوّل عليه في المفاضلة بين كلام و كلام، فما به كان الشاعر مفلقا، و الخطيب مصقعا، و الكاتب بليغا.
و رأينا العقلاء حيث ذكروا عجز العرب عن معارضة القرآن، قالوا: إن النبي صلى اللّه عليه و سلّم تحدّاهم و فيهم الشعراء و الخطباء و الذين يدلّون بفصاحة اللسان، و البراعة و البيان، و قوّة القرائح و الأذهان، و الذين أوتوا الحكمة و فصل الخطاب و لم نرهم قالوا: إن النبي صلى اللّه عليه و سلّم تحدّاهم و هم العارفون بما ينبغي أن يصنع، حتّى يسلم الكلام من أن تلتقي فيه حروف تثقل على اللّسان.