دلائل الإعجاز في علم المعاني - الجرجاني، عبد القاهر - الصفحة ٢٨٣
يكون للتفسير إلّا دلالة واحدة، و هي دلالة اللفظ. و هذا الفرق هو سبب أن كان للمفسّر الفضل و المزيّة على التفسير.
و محال أن يكون هذا قضيّة المفسّر و التّفسير في ألفاظ اللغة، ذاك لأن معنى المفسّر يكون دالّا مجهولا عند السامع، و محال أن يكون للمجهول دلالة.
ثم إن معنى المفسّر يكون هو معنى التفسير بعينه، و محال إذا كان المعنى واحدا أن يكون للمفسّر فضل على التفسير، لأن الفضل كان في مسألتنا بأن دلّ لفظ المفسّر على معنى، ثم دلّ معناه على معنى آخر. و ذلك لا يكون مع كون المعنى واحدا و لا يتصوّر.
بيان هذا: أنّه محال أن يقال إن معنى «الشّرجب» الذي هو المفسّر، يكون دليلا على معنى تفسير الذي هو «الطويل» على وزان قولنا إن معنى: «كثير رماد القدر»، يدل على معنى تفسيره الذي هو «كثير القرى»، لأمرين:
أحدهما: أنك لا تفسّر «الشرجب» حتى يكون معناه مجهولا عند السامع، و محال أن يكون للمجهول دلالة.
و الثاني: أن المعنى في تفسيرنا «الشرجب» بالطويل، أن نعلم السامع أن معناه هو معنى الطويل بعينه. و إذا كان كذلك، كان محالا أن يقال: إن معناه يدل على معنى الطويل، بل الذي يعقل أن يقال: إنّ معناه هو معنى الطويل. فاعرف ذلك.
و انظر إلى لعب الغفلة بالقوم، و إلى ما رأوا في منامهم من الأحلام الكاذبة! و لو أنهم تركوا الاستنامة إلى التقليد، و الأخذ بالهوينا، و ترك النّظر، و أشعروا قلوبهم أن هاهنا كلاما ينبغي أن يصغى إليه لعلموا، و لعاد إعجابهم بأنفسهم في سؤالهم هذا و في سائر أقوالهم، عجبا منها و من تطويح الظنون بها.
و إذ قد بان سقوط ما اعترض به القوم و فحش غلطهم، فينبغي أن تعلم أن ليست المزايا التي تجدها لهذه الأجناس على الكلام المتروك على ظاهره، و المبالغة التي تحسّها في أنفس المعاني التي يقصد المتكلم بخبره إليها، و لكنّها في طريق إثباته لها، و تقريره إيّاها، و أنّك إذا سمعتهم يقولون: «إن من شأن هذه الأجناس أن تكسب المعاني مزيّة و فضلا، و توجب لها شرفا و نبلا، و أن تفخّمها في نفوس السامعين» فإنهم لا يعنون أنفس المعاني، كالتي يقصد المتكلم بخبره إليها، كالقرى و الشجاعة و التردّد في الرأي، و إنما يعنون إثباتها لما تثبت له و يخبر بها عنه.
فإذا جعلوا للكناية مزيّة على التصريح، لم يجعلوا تلك المزيّة في المعنى المكني