دلائل الإعجاز في علم المعاني - الجرجاني، عبد القاهر - الصفحة ١٥٦
«قالوا» كما زعمت، كان الذي يتصوّر فيه أن يكون من هذا الضّرب الثاني، و أن يكون المعنى: «و إذا خلو إلى شياطينهم قالوا إنّا معكم إنّما نحن مستهزءون»، فإذا قالوا ذلك استهزأ اللّه بهم و مدّهم في طغيانهم يعمهون.
و هذا و إن كان يرى أنه يستقيم، فليس هو بمستقيم. و ذلك أن الجزاء إنما هو على نفس الاستهزاء و فعلهم له و إرادتهم إيّاه في قولهم: «آمنّا»، لا على أنهم حدّثوا على أنفسهم بأنّهم مستهزءون، و العطف على «قالوا» يقتضي أن يكون الجزاء على حديثهم عن أنفسهم بالاستهزاء، لا عليه نفسه.
و يبيّن ما ذكرناه من أن الجزاء ينبغي أن يكون على قصدهم الاستهزاء و فعلهم له، لا على حديثهم عن أنفسهم بأنا مستهزءون، أنهم لو كانوا قالوا لكبرائهم: «إنما نحن مستهزءون» و هم يريدون بذلك دفعهم عن أنفسهم بهذا الكلام، و أن يسلموا من شرّهم، و أن يوهموهم أنّهم منهم و إن لم يكونوا كذلك، لكان لا يكون عليهم مؤاخذة فيما قالوه، من حيث كانت المؤاخذة تكون على اعتقاد الاستهزاء و الخديعة في إظهار الإيمان، لا في قول: «إنّا استهزأنا» من غير أن يقترن بذلك القول اعتقاد و نيّة.
هذا، و هاهنا أمر سوى ما مضى يوجب الاستئناف و ترك العطف، و هو أن الحكاية عنهم بأنهم قالوا كيت و كيت، تحرّك السامعين لأن يعلموا مصير أمرهم و ما يصنع بهم، و أتنزل بهم النّقمة عاجلا أم لا تنزل و يمهلون، و توقع في أنفسهم التمنّي لأن يتبيّن لهم ذلك. و إذا كان كذلك، كان هذا الكلام الذي هو قوله: «اللّه يستهزئ بهم»، في معنى ما صدر جوابا عن هذا المقدّر وقوعه في أنفس السامعين. و إذا كان مصدره كذلك، كان حقّه أن يؤتى به مبتدأ غير معطوف، ليكون في صورته إذا قيل:
«فإن سألتم قيل لكم: «اللّه يستهزئ بهم و يمدّهم في طغيانهم يعمهون».
و إذا استقريت وجدت هذا الذي ذكرت لك، من تنزيلهم الكلام إذا جاء بعقب ما يقتضي سؤالا، منزلته إذا صرّح بذلك السؤال، كثيرا، فمن لطيف ذلك قوله: [من الكامل]
زعم العواذل أنّني في غمرة،
صدقوا، و لكن غمرتي لا تنجلي