دلائل الإعجاز في علم المعاني - الجرجاني، عبد القاهر - الصفحة ٢٧٩
«صيّرته أميرا»، إلا على معنى أنك أثبتّ له صفة الإمارة، كذلك لا يصحّ أن تقول:
«جعلته أسدا»، إلا على معنى أنك أثبتّ له معاني الأسد. و أمّا ما تجده في بعض كلامهم من أن «جعل» يكون بمعنى «سمّى»، فمما تسامحوا فيه أيضا، لأن المعنى معلوم، و هو مثل أن تجد الرجل يقول: «أنا لا أسمّيه إنسانا»، و غرضه أن يقول: إني لا أثبت له المعاني التي بها كان الإنسان إنسانا. فأما أن يكون «جعل» في معنى «سمّى»، هكذا غفلا، فممّا لا يخفى فساده. أ لا ترى أنك لا تجد عاقلا يقول:
«جعلته زيدا»، بمعنى: سميته زيدا و لا يقال للرجل: «اجعل ابنك زيدا»، بمعنى:
سمّه زيدا و «ولد ابن فجعله عبد اللّه»، أي: سمّاه عبد اللّه. هذا ما لا يشك فيه ذو عقل إذا نظر.
و أكثر ما يكون منهم هذا التسامح، أعني قولهم إنّ «جعل» يكون بمعنى «سمّى» في قوله تعالى: وَ جَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً [الزخرف:
١٩]، فقد ترى في التفسير أن «جعل» يكون بمعنى «سمّى»، و على ذاك فلا شبه في أن ليس المعنى على مجرّد التسمية، و لكن على الحقيقة التي وصفتها لك. و ذاك أنّهم أثبتوا للملائكة صفة الإناث، و اعتقدوا وجودها فيهم، و عن هذا الاعتقاد صدر عنهم ما صدر من الاسم أعني إطلاق اسم «البنات» و ليس المعنى أنّهم وضعوا لها لفظ «الإناث» و لفظ «البنات»، من غير اعتقاد معنى و إثبات صفة. هذا محال.
أو لا ترى إلى قوله تعالى: أَ شَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَ يُسْئَلُونَ [الزخرف: ١٩]، فلو كانوا لم يزيدوا على إجراء الاسم على الملائكة، و لم يعتقدوا إثبات صفة لما قال اللّه تعالى: أَ شَهِدُوا خَلْقَهُمْ. هذا و لو كانوا لم يقصدوا إثبات صفة، و لم يكن غير أن وضعوا اسما لا يريدون به معنى، لما استحقّوا إلّا اليسير من الذمّ، و لما كان هذا القول منهم كفرا. و التّفسير الصحيح و العبارة المستقيمة، ما قاله أبو إسحاق الزجاج رحمه اللّه، فإنه قال: إنّ «الجعل» هاهنا في معنى القول و الحكم على الشيء، تقول: «قد جعلت زيدا أعلم الناس»، أي وصفته بذلك و حكمت به.
و نرجع إلى الغرض فنقول: فإذا ثبت أن ليست «الاستعارة» نقل الاسم، و لكن ادّعاء معنى الاسم و كنّا إذا عقلنا من قول الرجل: «رأيت أسدا»، أنه أراد به المبالغة في وصفه بالشجاعة، و أن يقول: إنه من قوة القلب، و من فرط البسالة و شدّة البطش، و في أن الخوف لا يخامره، و الذّعر لا يعرض له، بحيث لا ينقص عن الأسد لم نعقل ذلك من لفظ «أسد»، و لكن من ادّعائه معنى الأسد الذي رآه ثبت بذلك أن «الاستعارة كالكناية، في أنك تعرف المعنى فيها من طريق المعقول دون طريق اللّفظ.