دلائل الإعجاز في علم المعاني - الجرجاني، عبد القاهر - الصفحة ١٣٣
قد عقلنا الشجاعة و عرفنا حقيقتها، و ما هي؟ و كيف ينبغي أن يكون الإنسان في إقدامه و بطشه حتّى يعلم أنّه شجاع على الكمال؟ و استقرينا الناس فلم نجد في واحد منهم حقيقة ما عرفناه، حتى إذا صرنا إلى المخاطب، وجدناه قد استكمل هذه الصفة، و استجمع شرائطها، و أخلص جوهرها، و رسخ فيه سنخها. و يبيّن لك أن الأمر كذلك، اتفاق الجميع على تفسيرهم له بمعنى الكامل، و لو كان المعنى على أنه استغرق الشجاعات التي يتوهّم كونها في الموصوفين بالشجاعة، لما قالوا إنه بمعنى الكامل في الشجاعة، لأن الكمال هو أن تكون الصفة على ما ينبغي أن تكون عليه، و أن لا يخالطها ما يقدح فيها، و ليس الكمال أن تجتمع آحاد الجنس و ينضم بعضها إلى بعض. فالغرض إذن بقولنا: «أنت الشجاع»، هو الغرض بقولهم: «هذه هي الشجاعة على الحقيقة، و ما عداها جبن» و «هكذا يكون العلم، و ما عداه تخيّل»، و «هذا هو الشعر، و ما سواه فليس بشيء». و ذلك أظهر من أن يخفى.
و ضرب آخر من الاستدلال في إبطال أن يكون «أنت الشجاع» بمعنى أنّك كأنّك جميع الشجعان، على حدّ «أنت الخلق كلهم»، و هو أنك في قولك: «أنت الخلق» و «أنت الناس كلّهم» و «قد جمع العالم منك في واحد»، تدّعي له جميع المعاني الشريفة المتفرّقة في الناس، من غير أن تبطل تلك المعاني و تنفيها عن الناس، بل على أن تدّعي له أمثالها. أ لا ترى أنك إذا قلت في الرجل: «إنه معدود بألف رجل»، فلست تعني أنه معدود بألف رجل لا معنى فيهم و لا فضيلة لهم بوجه، بل تريد أنّه يعطيك من معاني الشجاعة أو العلم أو كذا أو كذا مجموعا، ما لا تجد مقداره مفرّقا إلا في ألف رجل، و أمّا في نحو «أنت الشجاع»، فإنّك تدّعي له أنه قد انفرد بحقيقة الشجاعة، و أنه قد أوتي فيها مزيّة و خاصيّة لم يؤتها أحد، حتى صار الذي كان يعدّه الناس شجاعة غير شجاعة، و حتى كأنّ كلّ إقدام إحجام، و كلّ قوة عرفت في الحرب ضعف. و على ذلك قالوا: «جاد حتى بخّل كلّ جواد، و حتّى منع أن يستحقّ اسم الجواد أحد»، كما قال: [من الوافر]
و أنّك لا تجود على جواد
هباتك أن يلقّب بالجواد