دلائل الإعجاز في علم المعاني - الجرجاني، عبد القاهر - الصفحة ٢٨٩
الأوجه لا نقاب لها، و بادية الصّفحة لا حجاب دونها، و حتى كأن الإفصاح بها حرام، و ذكرها إلا على سبيل الكناية و التعريض غير سائغ.
و أما الأخير، فهو أنّا لم نر العقلاء قد رضوا من أنفسهم في شيء من العلوم أن يحفظوا كلاما للأوّلين و يتدارسوه، و يكلّم به بعضهم بعضا، من غير أن يعرفوا له معنى، و يقفوا منها على غرض صحيح، و يكون عندهم، إن يسألوا عنه، بيان له و تفسير إلا «علم الفصاحة»، فإنّك ترى طبقات من الناس يتداولون فيما بينهم ألفاظا للقدماء و عبارات، من غير أن يعرفوا لها معنى أصلا، أو يستطيعوا- إن يسألوا عنها- أن يذكروا لها تفسيرا يصحّ.
فمن أقرب ذلك، أنك تراهم يقولون إذا هم تكلموا في مزيّة كلام على كلام:
«إن ذلك يكون بجزالة اللّفظ» و إذا تكلّموا في زيادة نظم على نظم: «إن ذلك يكون لوقوعه على طريقة مخصوصة و على وجه دون وجه»، ثم لا تجدهم يفسّرون الجزالة بشيء، و يقولون في المراد «بالطريقة» و «الوجه» ما يحلى منه السامع بطائل.
و يقرءون في كتب البلغاء ضروب كلام قد وصفوا «اللّفظ» فيها بأوصاف يعلم ضرورة إليه من حيث هو لفظ و نطق لسان و صدى حرف، و كقولهم: «لفظ متمكّن غير قلق و لا ناب به موضعه، و إنّه جيّد السبك صحيح الطّابع، و أنه ليس فيه فضل عن معناه» و كقولهم: «إن من حقّ اللفظ أن يكون طبقا للمعنى، لا يزيد عليه و لا ينقص عنه» و كقول بعض من وصف رجلا من البلغاء: «كانت ألفاظه قوالب لمعانيه»، هذا إذا مدحوه و قولهم إذا ذمّوه: «هو لفظ معقّد، و إنه بتعقيده قد استهلك المعنى»، و أشباه لهذا، ثم لا يخطر ببالهم أنه يجب أن يطلب لما قالوه معنى، و تعلم له فائدة، و يجشّم فيه فكر، و أن يعتقد على الجملة أقلّ ما في الباب، أنه كلام لا يصحّ حمله على ظاهره، و أن يكون المراد «باللفظ» فيه نطق اللسان.
فالوصف بالتّمكّن و القلق في «اللفظ» محال، فإنما يتمكن الشّيء و يقلق إذا كان شيئا يثبت في مكان، و «الألفاظ» حروف لا يوجد منها حرف حتى يعدم الذي كان قبله. و قولهم: «متمكّن» أو «قلق» وصف للكلمة بأسرها، لا حرف حرف منها.
ثم إنه لو كان يصحّ في حروف الكلمة أن تكون باقية بمجموعها، لكان ذلك فيها محالا أيضا، من حيث أنّ الشيء إنما يتمكن و يقلق في مكان الذي يوجد فيه، و مكان الحروف إنّما هو الحلق و الفم و اللسان و الشفتان، فلو كان يصحّ عليها أن توصف بأنها تتمكّن و تقلق، لكان يكون ذلك التمكّن و ذلك القلق منها في أماكنها من الحلق و الفم و اللسان و الشفتين.