دلائل الإعجاز في علم المعاني - الجرجاني، عبد القاهر - الصفحة ١٨٧
«كلّ» كما ترى غير معمل فيه الفعل، و مرفوع، إمّا بالابتداء، و إمّا بأنه اسم «ما»، ثم إنّ المعنى مع ذلك على ما يكون عليه إذا أعملت فيه الفعل فقلت: «ما يدرك المرء كلّ ما يتمناه»، «ما يدعو كلّ رأي الفتى إلى رشد»، و ذلك أن التأثير لوقوعه في حيّز النفي، و ذلك حاصل في الحالين. و لو قدمت «كلّا» في هذا فقلت:
«كلّ ما يتمنى المرء لا يدركه» و «كل رأي الفتى لا يدعو إلى رشد» لتغير المعنى، و لصار بمنزلة أن يقول: «إنّ المرء لا يدرك شيئا مما يتمناه»، و «لا يكون في رأي الفتى ما يدعو إلى رشد بوجه من الوجوه».
و اعلم أنك إذا أدخلت «كلّا» في حيّز النفي، و ذلك بأن تقدم النّفي عليه لفظا أو تقديرا، فالمعنى على نفي الشمول دون نفي الفعل و الوصف نفسه. و إذا أخرجت «كلّا» من حيّز النفي و لم تدخله فيه، لا لفظا و لا تقديرا، كان المعنى على أنك تتبّعت الجملة، فنفيت الفعل و الوصف عنها واحدا واحدا. و العلة في أن كان ذلك كذلك، أنك إذا بدأت «بكل» كنت قد بنيت النّفي عليه، و سلّطت الكلّية على النفي و أعملتها فيه، و إعمال معنى الكلية في النّفي يقتضي أن لا يشذّ شيء عن النّفي، فاعرفه.
و اعلم أن من شأن الوجوه و الفروق أن لا يزال تحدث بسببها و على حسب الأغراض و المعاني التي تقع فيها، دقائق و خفايا لا إلى حدّ و نهاية و أنها خفايا تكتم أنفسها جهدها حتى لا يتنبّه لأكثرها، و لا يعلم أنها هي، و حتى لا تزال ترى العالم يعرض له السّهو فيه، و حتى إنه ليقصد إلى الصواب فيقع في أثناء كلامه ما يوهم الخطأ، كلّ ذلك لشدة الخفاء و فرط الغموض.
فصل
و اعلم أنه إذا كان بيّنا في الشيء أنه لا يحتمل إلّا الوجه الذي هو عليه حتى لا يشكل، و حتى لا يحتاج في العلم بأن ذلك حقّه و أنه الصواب، إلى فكر و روية فلا مزيّة. و إنّما تكون المزيّة و يجب الفضل إذا احتمل في ظاهر الحال غير الوجه الذي جاء عليه وجها آخر، ثم رأيت النّفس تنبو عن ذلك الوجه الآخر، و رأيت للذي جاء عليه حسنا و قبولا تعدمهما إذا أنت تركته إلى الثاني.
مثال ذلك قوله تعالى: وَ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَ [الأنعام: ١٠٠]، ليس بخاف أن لتقديم «الشركاء» حسنا و روعة و مأخذا من القلوب، أنت لا تجد شيئا منه إن أنت أخّرت فقلت: «و جعلوا الجنّ شركاء للّه»، و أنك ترى حالك حال من نقل عن