دلائل الإعجاز في علم المعاني - الجرجاني، عبد القاهر - الصفحة ١٠٦
تعالى: وَ أَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَ أَبْكى. وَ أَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَ أَحْيا [القمر: ٤٣- ٤٤]، و قوله وَ أَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَ أَقْنى [القمر: ٤٨]، المعنى هو الذي منه الإحياء و الإماتة و الإغناء و الإقناء. و هكذا كلّ موضع كان القصد فيه أن تثبت المعنى في نفسه فعلا للشيء، و أن تخبر بأنّ من شأنه أن يكون منه، أو لا يكون إلّا منه، أو لا يكون منه، فإن الفعل لا يعدّى هناك، لأن تعديته تنقض الغرض و تغيّر المعنى. أ لا ترى أنك إذا قلت: «هو يعطي الدنانير»، كان المعنى على أنك قصدت أن تعلم السّامع أن الدنانير تدخل في عطائه، أو أنه يعطيها خصوصا دون غيرها، و كان غرضك على الجملة بيان جنس ما تناوله الإعطاء، لا الإعطاء في نفسه، و لم يكن كلامك مع من نفى أن يكون كان منه إعطاء بوجه من الوجوه بل مع من أثبت له إعطاء، إلا أنه لم يثبت إعطاء الدّنانير. فاعرف ذلك، فإنّه أصل كبير عظيم النفع.
فهذا قسم من خلوّ الفعل عن المفعول، و هو أن لا يكون له مفعول يمكن النّصّ عليه.
و قسم ثان: و هو أن يكون له مفعول مقصود قصده معلوم، إلّا أنه يحذف من اللفظ لدليل الحال عليه. و ينقسم إلى جليّ لا صنعة فيه، و خفيّ تدخله الصنعة.
فمثال الجليّ قولهم: «أصغيت إليه»، و هم يريدون «أذني»، و «أغضيت عليه»، و المعنى «جفني».
و أما الخفيّ الذى تدخله الصّنعة فيتفنّن و يتنوّع.
فنوع منه، أن تذكر الفعل و في نفسك له مفعول مخصوص قد علم مكانه، إما لجري ذكر، أو دليل حال، إلا أنك تنسيه نفسك و تخفيه، و توهم أنك لم تذكر ذلك الفعل إلا لأن تثبت نفس معناه، من غير إن تعدّيه إلى شيء أو تعرّض فيه لمفعول.
و مثاله قول البحتري: [من الخفيف]
شجو حسّاده و غيظ عداه
أن يرى مبصر و يسمع واع