دلائل الإعجاز في علم المعاني - الجرجاني، عبد القاهر - الصفحة ٢٤٦
ثلاثة آلهة»، كنا قد نفينا الوجود عن الآلهة، كما نفيناه في «لا إله إلا اللّه»، و ما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ [آل عمران: ٦٢] و إذا زعموا أن التقدير «و لا تقولوا آلهتنا ثلاثة»، كانوا قد نفوا أن تكون عدة الآلهة ثلاثة، و لم ينفوا وجود الآلهة.
فإن قيل: فإنه يلزم على تقديرك الفساد من وجه آخر، و ذاك أنه يجوز إذا قلت:
«ليس لنا أمراء ثلاثة»، أن يكون المعنى: ليس لنا أمراء ثلاثة، و لكن لنا أميران اثنان.
و إذا كان كذلك: كان تقديرك و تقديرهم جميعا خطأ.
قيل: إنّ هاهنا أمرا قد أغفلته، و هو أن قولهم «آلهتنا»، يوجب ثبوت آلهة، جلّ اللّه و تعالى عمّا يقول الظالمون علوّا كبيرا. و قولنا: «ليس لنا آلهة ثلاثة»، لا يوجب ثبوت اثنين البتّة.
فإن قلت: إن كان لا يوجبه، فإنه لا ينفيه.
قيل: ينفيه ما بعده من قوله تعالى: إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ [النساء: ١٧١].
فإن قيل: فإنه كما ينفي الإلهين، كذلك ينفي الآلهة. و إذا كان كذلك، وجب أن يكون تقديرهم صحيحا كتقديرك.
قيل: هو كما قلت ينفي الآلهة، و لكنهم إذا زعموا أن التقدير: «و لا تقولوا آلهتنا ثلاثة»، و كان ذلك- و العياذ باللّه من الشّرك- يقتضي إثبات آلهة، كانوا قد دفعوا هذا النّفي و خالفوه و أخرجوه إلى المناقضة. فإذا كان كذلك، كان محالا أن يكون للصّحّة سبيل إلى ما قالوه. و ليس كذلك الحال فيما قدّرناه، لأننا لم نقدّر شيئا يقتضي إثبات إليهن، تعالى اللّه، حتى يكون حالنا حال من يدفع ما يوجبه هذا الكلام من نفيهما.
يبيّن لك ذلك: أنّه يصحّ لنا أن نتبع ما قدّرناه نفي الاثنين، و لا يصحّ لهم.
تفسير ذلك: أنه يصح أن تقول: «و لا تقولوا لنا آلهة ثلاثة و لا إلهان»، لأن ذلك يجري مجرى أن تقول: «ليس لنا آلهة ثلاثة و لا إلهان»، و هذا صحيح و لا يصحّ لهم أن يقولوا: «و لا تقولوا آلهتنا ثلاثة و لا إلهان»، لأنّ ذلك يجري مجرى أن يقولوا:
«و لا تقولوا آلهتنا إلهان». و ذلك فاسد، فاعرفه و أحسن تأمّله.
ثم إن هاهنا طريقا آخر، و هو أن تقدّر: «و لا تقولوا اللّه و المسيح و أمّه ثلاثة»، أي نعبدهما كما نعبد اللّه.