دلائل الإعجاز في علم المعاني - الجرجاني، عبد القاهر - الصفحة ٣٠٣
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم
فصل [في كشف شبهة جعل الفصاحة للألفاظ]
اعلم أنه لما كان الغلط الذي دخل على الناس في حديث «اللفظ» كالداء الذي يسري في العروق، و يفسد مزاج البدن، وجب أن يتوخّى دائبا فيهم ما يتوخّاه الطبيب في النّاقة، من تعهّده بما يزيد في منّته، و يبقيه على صحّته، و يؤمنه النّكس في علّته.
و قد علمنا أن أصل الفساد و سبب الآفة، هو ذهابهم عن أن من شأن المعاني أن تختلف عليها الصّور، و تحدث فيها خواصّ و مزايا من بعد أن لا تكون.
و إنّك ترى الشاعر قد عمد إلى معنى مبتذل، فصنع فيه ما يصنع الصّانع الحاذق إذا هو أغرب في صنعة خاتم و عمل شنف و غيرهما من أصناف الحليّ. فإنّ جهلهم بذلك من حالها، هو الذي أغواهم و استهواهم، و ورّطهم فيما تورّطوا فيه من الجهالات، و أدّاهم إلى التّعلّق بالمحالات. و ذلك أنهم لما جهلوا شأن الصّورة، وضعوا لأنفسهم أساسا، و بنوا على قاعدة فقالوا: إنه ليس إلا المعنى و اللفظ، و لا ثالث- و إنه إذا كان كذلك، وجب إذا كان لأحد الكلامين فضيلة لا تكون للآخر، ثم كان الغرض من أحدهما هو الغرض من صاحبه أن يكون مرجع تلك الفضيلة إلى اللفظ خاصّة، و أن لا يكون لها مرجع إلى المعنى، من حيث أنّ ذلك، زعموا، يؤدّي إلى التناقض، و أن يكون معناهما متغايرا و غير متغاير معا.
و لمّا أقرّوا هذا في نفوسهم، حملوا كلام العلماء في كل ما نسبوا فيه الفضيلة إلى «اللّفظ» على ظاهره، و أبوا أن ينظروا في الأوصاف التي أتبعوها نسبتهم الفضيلة إلى «اللّفظ»، مثل قولهم: «لفظ متمكّن غير قلق و لا ناب به موضعه»، إلى سائر ما ذكرناه قبل، فيعلموا أنّهم لم يوجبوا للّفظ ما أوجبوه من الفضيلة، و هم يعنون نطق اللّسان و أجراس الحروف، و لكن جعلوا كالمواضعة فيما بينهم أن يقولوا «اللفظ»، و هم يريدون الصّورة التي تحدث في المعنى، و الخاصّة التي حدثت فيه، و يعنون الذي عناه الجاحظ حيث قال.