دلائل الإعجاز في علم المعاني - الجرجاني، عبد القاهر - الصفحة ١٤٦
النصب نحو: «اضرب زيدا»، و وضعوا الجملة، من المبتدأ و الخبر موضع الفعل و الفاعل في نحو قوله تعالى: أَ دَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ [الأعراف: ١٩٣]، لأن الأصل في المعادلة أن تكون الثانية كالأولى نحو: «أ دعوتموهم أم صمتّم».
و يدل على أن ليس مجيء الجملة من المبتدأ و الخبر حالا بغير «الواو» أصلا، قلّته، و أنه لا يجيء إلا في الشيء بعد الشيء.
هذا، و يجوز أن يكون ما جاء من ذلك إنما جاء على إرادة «الواو»، كما جاء الماضي على إرادة «قد».
و اعلم أنّ الوجه فيما كان مثل قول بشار: [من الطويل] خرجت مع البازي عليّ سواد أن يؤخذ فيه بمذهب أبي الحسن الأخفش، فيرفع «سواد» بالظرف دون الابتداء، و يجري الظّرف هاهنا مجراه إذا جرت الجملة صفة على النكرة نحو:
«مررت برجل معه صقر صائدا به غدا»، و ذلك أن صاحب الكتاب يوافق أبا الحسن في هذا الموضع فيرفع «صقرا» بما في «معه» من معنى الفعل، فلذلك يجوز أن يجرى الحال مجرى الصفة، فيرفع الظاهر بالظرف إذا هو جاء حالا، فيكون ارتفاع «سواد» بما في «عليّ» من معنى الفعل، لا بالابتداء.
ثم ينبغي أن يقدّر هاهنا خصوصا أنّ الظرف في تقدير اسم فاعل لا فعل، أعني أن يكون المعنى: «خرجت كائنا عليّ سواد، و باقيا عليّ سواد»، و لا يقدّر:
«يكون عليّ سواد»، و «يبقى عليّ سواد»، اللهمّ إلّا أن تقدر فيه فعلا ماضيا مع «قد» كقولك: «خرجت مع البازي قد بقي عليّ سواد»، و الأوّل أظهر.
و إذا تأمّلت الكلام وجدت الظرف و قد وقع مواقع لا يستقيم فيها إلّا أن يقدّر تقدير اسم فاعل، و لذلك قال أبو بكر بن السّراج في قولنا: «زيد في الدار»، أنك مخيّر بين أن تقدر فيه فعلا فتقول: «استقر في الدار»، و بين أن تقدر اسم فاعل فتقول: «مستقر في الدار»، و إذا عاد الأمر إلى هذا، كان الحال في ترك «الواو» ظاهرة، و كان «سواد» في قوله: «خرجت مع البازي عليّ سواد»، بمنزلة «قضاء اللّه» في قوله: [من الطويل]
[١] قلّته: فاعل للفعل «يدلّ».
[٢] راجع هامش [١] ص [١٤٢] .