دلائل الإعجاز في علم المعاني - الجرجاني، عبد القاهر - الصفحة ٢٨٤
عنه، و لكن في إثباته للذي يثبت له، و ذلك أنا نعلم أن المعاني التي يقصد الخبر بها لا تتغيّر في أنفسها بأن يكنى عنها بمعان سواها، و يترك أن تذكر بالألفاظ التي هي لها في اللغة. و من هذا الذي يشكّ أن معنى طول القامة و كثرة القرى لا يتغيّران بأن يكنى عنهما بطول النّجاد و كثرة رماد القدر، و تقدير التغيير فيهما يؤدّي إلى أن لا تكون الكناية عنهما، و لكن عن غيرهما؟
و قد ذكرت هذا في صدر الكتاب، و ذكرت أن السبب في أن كان يكون للإثبات إذا كان من طريق «الكناية» مزيّة لا تكون إذا كان من طريق التصريح، أنك إذا كنيت عن كثرة القرى بكثرة رماد القدر، كنت قد أثبت كثرة القرى بإثبات شاهدها و دليلها، و ما هو علم على وجودها، و ذلك لا محالة يكون أبلغ من إثباتها بنفسها، و ذلك لأنّه يكون سبيلها حينئذ سبيل الدعوى تكون مع شاهد.
و ذكرت أن السّبب في أن كانت «الاستعارة» أبلغ من الحقيقة، أنك إذا ادّعيت للرجل أنه أسد بالحقيقة، كان ذلك أبلغ و أشدّ في تسويته أنك إذا ادّعيت للرجل أنه أسد بالحقيقة، كان ذلك أبلغ و أشدّ في تسويته بالأسد في الشّجاعة. ذاك لأنه محال أن يكون من الأسود، ثم لا تكون له شجاعة الأسود. و كذلك الحكم في «التمثيل»، فإذا قلت: «أراك تقدّم رجلا و تؤخّر أخرى»، كان أبلغ في إثبات التردّد له من أن تقول: «أنت كمن يقدّم رجلا و يؤخر أخرى».
و اعلم أنّه قد يهجس في نفس الإنسان شيء يظنّ من أجله أنّه ينبغي أن يكون الحكم في المزيّة التي تحدث بالاستعارة، أنها تحدث في المثبت دون الإثبات.
و ذلك أن تقول: إنّا إذا نظرنا إلى «الاستعارة»، وجدناها إنما كانت أبلغ من أجل أنها تدل على قوّة الشبه، و أنه قد تناهى إلى أن صار المشبّه لا يتميّز عن المشبه به في المعنى الذي من أجله شبّه به. و إذا كان كذلك، كانت المزيّة الحادثة بها حادثة في الشّبه. و إذا كانت حادثة في الشّبه، كانت في المثبت دون الإثبات.
و الجواب عن ذلك أن يقال: إن الاستعارة، لعمري، تقتضي قوّة الشّبه، و كونه بحيث لا يتميّز المشبه عن المشبّه به، و لكن ليس ذاك سبب المزيّة. و ذلك لأنه لو كان ذاك سبب المزيّة، لكان ينبغي إذا جئت به صريحا فقلت: «رأيت رجلا مساويا للأسد في الشجاعة، و بحيث لو لا صورته لظننت أنّك رأيت أسدا»، و ما شاكل ذلك من ضروب المبالغة، أن تجد لكلامك المزية التي تجدها لقولك: «رأيت أسدا».
و ليس يخفى على عاقل أنّ ذلك لا يكون.