دلائل الإعجاز في علم المعاني - الجرجاني، عبد القاهر - الصفحة ٢١٩
هو جوابا لكلام سابق قد قيل فيه: «إن أنت إلّا بشر مثلنا»، فيجب أن يؤتى به على وفق ذلك الكلام، و يراعى فيه حذوه، كما كان ذلك في الآية الأولى.
و جملة الأمر أنك متى رأيت شيئا هو من المعلوم الذي لا يشك فيه قد جاء بالنفي، فذلك التقدير معنى صار به في حكم المشكوك فيه، فمن ذلك قوله تعالى:
وَ ما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ. إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ [فاطر: ٢٢- ٢٣] إنما جاء، و اللّه أعلم، بالنفي و الإثبات، لأنه لما قال تعالى: وَ ما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ، و كان المعنى في ذلك أن يقال للنبي صلى اللّه عليه و سلّم: «إنك لن تستطيع أن تحوّل قلوبهم عما هي عليه من الإباء، و لا تملك أن توقع الإيمان في نفوسهم، مع إصرارهم على كفرهم، و استمرارهم على جهلهم، و صدّهم بأسماعهم عما تقوله لهم و تتلوه عليهم» كان اللائق بهذا أن يجعل حال النبي صلى اللّه عليه و سلّم حال من قد ظنّ أنه يملك ذلك، و من لا يعلم يقينا أنه ليس في وسعه شيء أكثر من أن ينذر و يحذّر، فأخرج اللّفظ مخرجه إذا كان الخطاب مع من يشكّ، فقيل: «إن أنت إلّا نذير». و يبيّن ذلك أنك تقول للرجل يطيل مناظرة الجاهل و مقاولته: «إنك لا تستطيع أن تسمع الميّت، و أن تفهم الجماد، و أن تحول الأعمى بصيرا، و ليس بيدك إلّا تبيّن و تحتجّ، و لست تملك أكثر من ذلك» لا تقول هاهنا: «فإنّما الذي بيدك أن تبيّن و تحتج»، ذلك لأنك لم تقل له «إنك لا تستطيع أن تسمع الميّت»، حتى جعلته بمثابة من يظنّ أنه يملك وراء الاحتجاج و البيان شيئا. و هذا واضح، فاعرفه.
و مثل هذا في أن الذي تقدّم من الكلام اقتضى أن يكون اللفظ كالذي تراه، و من كونه «بإن» و «إلّا»، قوله تعالى: قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَ لا ضَرًّا إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ وَ لَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَ ما مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَ بَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [الأعراف: ١٨٨].
فصل هذا بيان آخر في «إنّما»
اعلم أنها تفيد في الكلام بعدها إيجاب الفعل لشيء، و نفيه عن غيره، فإذا قلت: «إنّما جاءني زيد»، عقل منه أنك أردت أن تنفي أن يكون الجائي غيره.
فمعنى الكلام معها شبيه بالمعنى في قولك: «جاءني زيد لا عمرو»، إلا أن لها مزيّة،