دلائل الإعجاز في علم المعاني - الجرجاني، عبد القاهر - الصفحة ٣٤٧
المعقول أن الناس إنما يكلم بعضهم بعضا ليعرف السامع غرض المتكلم و مقصوده، فينبغي أن ينظر إلى مقصود المخبر من خبره، ما هو؟ أ هو أن يعلم السامع المخبر به و المخبر عنه، أم أن يعلمه إثبات المعنى المخبر به للمخبر عنه؟
فإن قيل: إن المقصود إعلامه السامع وجود المعنى من المخبر عنه، فإذا قال:
«ضرب زيد» كان مقصوده أن يعلم السّامع وجود الضرب من زيد، و ليس الإثبات إلّا إعلامه السامع وجود المعنى.
قيل له: فالكافر إذا أثبت مع اللّه تعالى عمّا يقول الظالمون، إلها آخر، يكون قاصدا أن يعلم، نعوذ باللّه تعالى، أن مع اللّه تعالى إلها آخر؟ تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا، و كفى بهذا فضيحة.
و جملة الأمر، أنه ينبغي أن يقال لهم: أ تشكّون في أنّه لا بدّ من أن يكون لخبر المخبر معنى يعلمه السامع علما لا يكون معه شكّ، و يكون ذلك معنى اللفظ و حقيقته؟
فإذا قالوا: لا نشكّ.
قيل لهم: فما ذلك المعنى؟
فإن قالوا: هو وجود المعنى المخبر به من المخبر عنه أو فيه، إذا كان الخبر إثباتا، و انتفاؤه عنه إذا كان نفيا لم يمكنهم أن يقولوا ذلك إلا من بعد أن يكابروا فيدّعوا أنهم إذا سمعوا الرجل يقول: «خرج زيد»، علموا علما لا شكّ معه، وجود الخروج من زيد. و كيف يدّعون ذلك، و هو يقتضي أن يكون الخبر على وفق المخبر عنه أبدا، و أن لا يجوز فيه أن يقع على خلاف المخبر عنه، و أن يكون العقلاء قد غلطوا حين جعلوا من خاصّ وصفه أنّه يحتمل الصّدق و الكذب، و أن يكون الذي قالوه في أخبار الآحاد و أخبار التواتر من أن العلم يقع بالتّواتر دون الآحاد سهوا منهم، و يقتضي الغنى عن المعجزة، لأنه إنما احتيج إليها ليحصل العلم بكون الخبر على وفق المخبر عنه، فإذا كان لا يكون إلا على وفق المخبر عنه، لم تقع الحاجة إلى دليل يدلّ على كونه كذلك، فاعرفه.
و اعلم أنّه إنما لزمهم ما قلناه، من أن يكون الخبر على وفق المخبر عنه أبدا، من حيث أنه إذا كان معنى الخبر عندهم، إذا كان إثباتا، أنه لفظ موضوع ليدل على وجود المعنى المخبر به من المخبر عنه أو فيه، وجب أن يكون كذلك أبدا، و أن لا
دلائل الإعجاز في علم المعاني، ص: ٣٤٨
يصحّ أن يقال: «ضرب زيد»، إلا إذا كان الضرب قد وجد من زيد. و كذلك يجب في النّفي أن لا يصح أن يقال: «ما ضرب زيد»، إلا إذا كان الضرب لم يوجد منه، لأن تجويز أن يقال: «ضرب زيد»، من غير أن يكون قد كان منه ضرب، و أن يقال: «ما ضرب زيد»، و قد كان منه ضرب، يوجب على أصلهم إخلاء اللفظ من معناه الذي وضع ليدلّ عليه. و ذلك ما لا يشكّ في فساده.
و لا يلزمنا ذلك على أصلنا، لأن معنى «اللفظ» عندنا هو الحكم بوجود المخبر به من المخبر عنه أو فيه، إذا كان الخبر إثباتا، و الحكم بعدمه إذا كان نفيا، و اللّفظ عندنا لا ينفكّ من ذلك و لا يخلو منه. و ذلك لأن قولنا: «ضرب» و «ما ضرب»، يدلّ من قول الكاذب على نفس ما يدلّ عليه من قول الصادق، لأنّا إن لم نقل ذلك، لم يخل من أن يزعم أنّ الكاذب يخلي اللّفظ من المعنى، أو يزعم أنه يجعل للّفظ معنى غير ما وضع له، و كلاهما باطل.
و معلوم أنه لا يزال يدور في كلام العقلاء في وصف الكاذب: «أنه يثبت ما ليس بثابت، و ينفي ما ليس بمنتف»، و القول بما قالوه يؤدّي إلى أن يكون العقلاء قد قالوا المحال، من حيث يجب على أصلهم أن يكونوا قد قالوا: إن الكاذب يدلّ على وجود ما ليس بموجود، و على عدم ما ليس بمعدوم. و كفى بهذا تهافتا و خطلا، و دخولا في اللّغو من القول.
و إذا اعتبرنا أصلنا كان تفسيره: أن الكاذب يحكم بالوجود فيما ليس بموجود، و بالعدم فيما ليس بمعدوم، و هو أسدّ كلام و أحسنه.
و الدليل على أن اللّفظ من قول الكاذب يدلّ على نفس ما يدلّ عليه من قول الصادق، أنهم جعلوا خاصّ وصف الخبر أنه يحتمل الصّدق و الكذب، فلولا أن حقيقته فيهما حقيقة واحدة، لما كان لحدّهم هذا معنى. و لا يجوز أن يقال: إن الكاذب يأتي بالعبارة على خلاف المعبّر عنه، لأن ذلك إنما يقال فيمن أراد شيئا، ثم أتى بلفظ لا يصلح للذي أراد، و لا يمكننا أن نزعم في الكاذب أنه أراد أمرا، ثم أتى بعبارة لا تصلح لما أراد.
و مما ينبغي أن يحصّل في هذا الباب، أنهم قد أصّلوا في «المفعول» و كلّ ما زاد على جزئي الجملة، أنه يكون زيادة في الفائدة. و قد يتخيّل إلى من ينظر إلى ظاهر هذا من كلامهم، أنهم أرادوا بذلك أنك تضمّ بما تزيده على جزئي الجملة فائدة أخرى، و ينبني عليه أن ينقطع عن الجملة، حتى يتصوّر أن يكون فائدة على