دلائل الإعجاز في علم المعاني - الجرجاني، عبد القاهر - الصفحة ٤٠
و اعتبرها وحدها من غير أن تنظر إلى ما قبلها و ما بعدها، و كذلك فاعتبر سائر ما يليها.
و كيف بالشك في ذلك، و معلوم أنّ مبدأ العظمة في أن نوديت الأرض، ثم أمرت، ثم في أن كان النداء «بيا» دون «أيّ»، نحو «يا أيتها الأرض»، ثم إضافة «الماء» إلى «الكاف»، دون أن يقال: «ابلعي الماء»، ثم أن أتبع نداء الأرض و أمرها بما هو من شأنها، نداء السماء و أمرها كذلك بما يخصها، ثم أن قيل:، «و غيض الماء»، فجاء الفعل على صيغة «فعل» الدالة على أنّه لم يغض إلّا بأمر آمر و قدرة قادر، ثم تأكيد ذلك و تقريره بقوله تعالى: وَ قُضِيَ الْأَمْرُ، ثم ذكر ما هو فائدة هذه الأمور، و هو: اسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِ، ثم إضمار «السفينة» قبل الذّكر، كما هو شرط الفخامة و الدّلالة على عظم الشأن، ثم مقابلة «قيل» في الخاتمة «بقيل» في الفاتحة؟ أ فترى لشيء من هذه الخصائص- التي تملؤك بالإعجاز روعة، و تحضرك عند تصوّرها هيبة تحيط بالنفس من أقطارها- تعلّقا باللفظ من حيث هو صوت مسموع و حروف تتوالى في النطق؟ أم كلّ ذلك لما بين معاني الألفاظ من الاتّساق العجيب؟.
فقد اتضح إذن اتضاحا لا يدع للشك مجالا، أنّ الألفاظ لا تتفاضل من حيث هي ألفاظ مجرّدة، و لا من حيث هي كلم مفردة، و أن الفضيلة و خلافها، في ملائمة معنى اللّفظة لمعنى التي تليها، و ما أشبه ذلك، مما لا تعلّق له بصريح اللفظ.
و مما يشهد لذلك أنك ترى الكلمة تروقك و تؤنسك في موضع، ثم تراها بعينها تثقل عليك و توحشك في موضع آخر، كلفظ «الأخدع» في بيت الحماسة:
[من الطويل]
تلفّتّ نحو الحيّ حتّى وجدتني
و جعت من الإصغاء ليتا و أخدعا