دلائل الإعجاز في علم المعاني - الجرجاني، عبد القاهر - الصفحة ١٥٢
[البقرة: ١- ٢] قوله: «لا ريب فيه»، بيان و توكيد و تحقيق لقوله «ذلك الكتاب»، و زيادة تثبيت له، و بمنزلة أن تقول: «هو ذلك الكتاب، هو ذلك الكتاب»، فتعيده مرة ثانية لتثبته، و ليس يثبت الخبر غير الخبر، و لا شيء يتميّز به عنه فيحتاج إلى ضامّ يضمّه إليه، و عاطف يعطفه عليه.
و مثل ذلك قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ. خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَ عَلى سَمْعِهِمْ وَ عَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ [البقرة: ٦- ٧] قوله تعالى: لا يُؤْمِنُونَ، تأكيد لقوله سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ، و قوله: خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَ عَلى سَمْعِهِمْ، تأكيد ثان أبلغ من الأوّل، لأن من كان حاله إذا أنذر مثل حاله إذا لم ينذر، كان في غاية الجهل، و كان مطبوعا على قلبه لا محالة.
و كذلك قوله عزّ و جلّ: وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَ ما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ [البقرة: ٨- ٩]، إنّما قال: «يخادعون» و لم يقل:
«و يخادعون» لأن هذه المخادعة ليست شيئا غير قولهم: «آمنّا»، من غير أن يكونوا مؤمنين، فهو إذن كلام أكّد به كلام آخر هو في معناه، و ليس شيئا سواه.
و هكذا قوله عزّ و جلّ: وَ إِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَ إِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ [البقرة: ١٤]، و ذلك لأن معنى قولهم: «إنّا معكم»: إنّا لم نؤمن بالنبيّ صلى اللّه عليه و سلّم و لم نترك اليهوديّة. و قولهم: إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ، خبر بهذا المعنى بعينه، لأنه لا فرق بين أن يقولوا: «إنّا لم نقل ما قلناه من أنا آمنا إلّا استهزاء»، و بين أن يقولوا: «إنّا لم نخرج من دينكم و إنّا معكم»، بل هما في حكم الشيء الواحد، فصار كأنهم قالوا: «إنا معكم لم نفارقكم» فكما لا يكون «إنّا لم نفارقكم» شيئا غير «إنّا معكم»، كذلك لا يكون «إنّما نحن مستهزءون» غيره، فاعرفه.
و من الواضح البيّن في هذا المعنى قوله تعالى: وَ إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً [لقمان: ٧]، لم يأت معطوفا نحو «و كأنّ في أذنيه وقرا»، لأنّ المقصود من التشبيه بمن في أذنيه وقر، هو بعينه المقصود من التشبيه بمن لم يسمع، إلّا أنّ الثاني أبلغ و آكد في الذي أريد. و ذلك أن المعنى في التشبيهين جميعا أن ينفي أن يكون لتلاوة ما تلي عليه من الآيات فائدة معه، و يكون لها تأثير فيه، و أن يجعل حاله إذا تليت عليه كحاله إذا لم تتل.