دلائل الإعجاز في علم المعاني - الجرجاني، عبد القاهر - الصفحة ١٩٩
قد جعل من لا يفقه بقلبه و لا ينظر و لا يتفكّر، كأنه ليس بذي قلب، كما يجعل كأنه جماد، و كأنه ميّت لا يشعر و لا يحسّ و ليس سبيل من فسّر «القلب» هاهنا على «العقل»، إلّا سبيل من فسّر عليه «العين» و «السمع» في قول الناس: «هذا بيّن لمن كانت له عين، و لمن كان له سمع»، و فسّر «العمى» و «الصّمم» و «الموت» في صفة من يوصف بالجهالة، على مجرّد الجهل، و أجرى جميع ذلك على الظّاهر، فاعرفه.
و من عادة قوم ممن يتعاطى التفسير بغير علم، أن يوهموا أبدا في الألفاظ الموضوعة على المجاز و التمثيل، أنها على ظواهرها، فيفسدوا المعنى بذلك، و يبطلوا الغرض، و يمنعوا أنفسهم و السامع منهم العلم بموضع البلاغة، و بمكان الشّرف. و ناهيك بهم إذا هم أخذوا في ذكر الوجوه، و جعلوا يكثرون في غير طائل، هناك ترى ما شئت من باب جهل قد فتحوه، و زند ضلالة قد قدحوا به، و نسأل اللّه تعالى العصمة و التوفيق.
[فصل: في الكناية و التعريض]
هذا فنّ من القول دقيق المسلك، لطيف المأخذ، و هو أنّا نراهم كما يصنعون في نفس الصّفة بأن يذهبوا بها مذهب الكناية و التعريض، كذلك يذهبون في إثبات الصّفة هذا المذهب. و إذا فعلوا ذلك، بدت هناك محاسن تملأ الطّرف، و دقائق تعجز الوصف، و رأيت هنالك شعرا شاعرا، و سحرا ساحرا، و بلاغة لا يكمل لها إلا الشاعر المفلق، و الخطيب المصقع. و كما أن الصفة إذا لم تأتك مصرّحا بذكرها، مكشوفا عن وجهها، و لكن مدلولا عليها بغيرها، و كان ذلك أفخم لشأنها، و ألطف لمكانها، كذلك إثباتك الصّفة للشيء تثبتها له، إذا لم تلقه إلى السامع صريحا، و جئت إليه من جانب التعريض و الكناية و الرّمز و الإشارة، كان له من الفضل و المزيّة، و من الحسن و الرّونق، ما لا يقلّ قليله، و لا يجهل موضع الفضيلة فيه.
و تفسير هذه الجملة و شرحها: أنهم يرومون وصف الرجل و مدحه، و إثبات معنى من المعاني الشريفة له، فيدعون التصريح بذلك، و يكنون عن جعلها فيه بجعلها في شيء يشتمل عليه و يتلبّس به، و يتوصّلون في الجملة إلى ما أرادوا من الإثبات، لا من الجهة الظاهرة المعروفة، بل من طريق يخفى، و مسلك يدقّ؟ و مثاله قول زياد الأعجم: [من الكامل]