دلائل الإعجاز في علم المعاني - الجرجاني، عبد القاهر - الصفحة ٨١
هو؟ و كان يصح أن يكون سؤالا عن الفعل أ كان أم لم يكن؟ لكان ينبغي أن يستقيم ذلك.
و اعلم أن هذا الذي ذكرت لك في «الهمزة و هي للاستفهام» قائم فيها إذا هي كانت للتقرير. فإذا قلت: «أ أنت فعلت ذاك؟»، كان غرضك أن تقرره بأنه الفاعل.
يبيّن ذلك قوله تعالى، حكاية عن قول نمرود: أَ أَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ [سورة الأنبياء: ٦٢]، لا شبهة في أنهم لم يقولوا ذلك له عليه السلام و هم يريدون أن يقرّ لهم بأنّ كسر الأصنام قد كان، و لكن أن يقرّ بأنه منه كان، و كيف؟
و قد أشاروا له إلى الفعل في قولهم: «أ أنت فعلت هذا؟»، و قال هو عليه السلام في الجواب: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا [الأنبياء: ٦٣]، و لو كان التقرير بالفعل لكان الجواب: «فعلت، أو: لم أفعل».
فإن قلت: أو ليس إذ قال «أفعلت؟»، فهو يريد أيضا أن يقرّره بأنّ الفعل كان منه، لا بأنّه كان على الجملة، فأيّ فرق بين الحالين؟.
فإنه إذا قال: «أفعلت؟» فهو يقرّره بالفعل من غير أن يردّده بينه و بين غيره، و كان كلامه كلام من يوهم أنه لا يدري أن ذلك الفعل كان على الحقيقة و إذا قال:
«أ أنت فعلت؟»، كان قد ردّد الفعل بينه و بين غيره، و لم يكن منه في نفس الفعل تردّد، و لم يكن كلامه كلام من يوهم أنه لا يدري أ كان الفعل أم لم يكن، بدلالة أنك تقول ذلك و الفعل ظاهر موجود مشار إليه، كما رأيت في الآية.
و اعلم أن «الهمزة» فيما ذكرنا تقرير بفعل قد كان، و إنكار له لم كان، و توبيخ لفاعله عليه.
و لها مذهب آخر، و هو أن يكون الإنكار أن يكون الفعل قد كان من أصله.
و مثاله قوله تعالى: أَ فَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَ اتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثاً إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيماً [الإسراء: ٤٠]، و قوله عز و جل: أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ [الصافات: ١٥٣- ١٥٤]، فهذا ردّ على المشركين و تكذيب لهم في قولهم ما يؤدّي إلى هذا الجهل العظيم. و إذا قدّم الاسم في هذا صار الإنكار في الفاعل. و مثاله قولك للرجل قد انتحل شعرا: «أ أنت قلت هذا الشعر؟ كذبت، لست ممّن يحسن مثله»، أنكرت أن يكون القائل و لم تنكر الشعر.
[١] قوله (فإنه إذا قال) جواب لقوله: (فإن قلت).
دلائل الإعجاز في علم المعاني، ص: ٨٢
و قد يكون أن يراد إنكار الفعل من أصله، ثم يخرج اللفظ مخرجه إذا كان الإنكار في الفاعل. مثال ذلك قوله تعالى: قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ [يونس: ٥٩]، «الإذن» راجع إلى قوله: قُلْ أَ رَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَ حَلالًا [يونس: ٥٩]، و معلوم أن المعنى على إنكار أن يكون قد كان من اللّه تعالى إذن فيما قالوه، من غير أن يكون هذا الإذن قد كان من غير اللّه، فأضافوه إلى اللّه، إلّا أنّ اللفظ أخرج مخرجه إذا كان الأمر كذلك، لأن يجعلوا في صورة في غلط فأضاف إلى اللّه تعالى إذنا كان من غير اللّه، فإذا حقّق عليه ارتدع.
و مثال ذلك قولك للرجل يدّعي أن قولا كان ممّن تعلم أنه لا يقوله: «أ هو قال ذاك بالحقيقة أم أنت تغلط؟»، تضع الكلام وضعه إذا كنت علمت أن ذلك القول قد كان من قائل، لينصرف الإنكار إلى الفاعل، فيكون أشدّ لنفي ذلك و إبطاله.
و نظير هذا قوله تعالى: قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ، أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ [الأنعام: ١٤٣]، أخرج اللفظ مخرجه إذا كان قد ثبت تحريم في أحد أشياء، ثم أريد معرفة عين المحرّم، مع أن المراد إنكار التحريم من أصله، و نفي أن يكون قد حرّم شيء مما ذكروا أنه محرّم. و ذلك أنّ الكلام وضع على أن يجعل التحريم كأنّه قد كان، ثم يقال لهم: «أخبرونا عن هذا التحريم الذي زعمتم، فيم هو؟ أ في هذا أم ذاك أم في الثالث؟»، ليتبيّن بطلان قولهم، و يظهر مكان الفرية منهم على اللّه تعالى.
و مثل ذلك قولك للرجل يدّعي أمرا و أنت تنكره: «متى كان هذا؟ أ في ليل أم نهار؟»، تضع الكلام وضع من سلّم أن ذلك قد كان، ثم تطالبه ببيان وقته، لكي يتبيّن كذبه إذا لم يقدر أن يذكر له وقتا و يفتضح. و مثله قولك: «من أمرك بهذا منّا؟
و أيّنا أذن لك فيه؟»، و أنت لا تعني أن أمرا قد كان بذلك من واحد منكم، إلا أنّك تضع الكلام هذا الوضع لكي تضيّق عليه، و ليظهر كذبه حين لا يستطيع أن يقول:
«فلان»، و أن يحيل على واحد.
و إذ قد بيّنّا الفرق بين تقديم الفعل و تقديم الاسم، و الفعل ماض، فينبغي أن ننظر فيه و الفعل مضارع.
و القول في ذلك أنك إذا قلت: «أ تفعل؟» و «أ أنت تفعل؟» لم يخل من أن تريد الحال أو الاستقبال. فإن أردت الحال كان المعنى شبيها بما مضى في الماضي، فإذا قلت: «أ تفعل؟» كان المعنى على أنك أردت أن تقرّره بفعل هو يفعله، و كنت