دلائل الإعجاز في علم المعاني - الجرجاني، عبد القاهر - الصفحة ٧٨
بإنسان بعينه، و لا يبالون من أوقعه، كمثل ما يعلم من حالهم في حال الخارجيّ يخرج فيعيث و يفسد، و يكثر به الأذى، أنّهم يريدون قتله، و لا يبالون من كان القتل منه، و لا يعنيهم منه شيء. فإذا قتل، و أراد مريد الإخبار بذلك، فإنه يقدّم ذكر الخارجيّ فيقول: «قتل الخارجيّ زيد»، و لا يقول: «قتل زيد الخارجيّ»، لأنه يعلم أن ليس للناس في أن يعلموا أن القاتل له «زيد» جدوى و فائدة، فيعنيهم ذكره و يهمّهم و يتّصل بمسرّتهم، و يعلم من حالهم أن الذي هم متوقّعون له و متطلّعون إليه متى يكون، وقوع القتل بالخارجي المفسد، و أنّهم قد كفوا شرّه و تخلّصوا منه.
ثم قالوا: فإن كان رجل ليس له بأس و لا يقدّر فيه أنّه يقتل، فقتل رجلا، و أراد المخبر أن يخبر بذلك، فإنه يقدم ذكر القاتل فيقول: «قتل زيد رجلا»، ذاك لأن الذي يعنيه و يعني الناس من شأن هذا القتل، طرافته و موضع النّدرة فيه، و بعده كان من الظنّ. و معلوم أنه لم يكن نادرا و بعيدا من حيث كان واقعا بالذي وقع به، و لكن من حيث كان واقعا من الذي وقع منه.
فهذا جيد بالغ، إلا أنّ الشأن في أنه ينبغي أن يعرف في كل شيء قدّم في موضع من الكلام مثل هذا المعنى، و يفسّر وجه العناية فيه هذا التفسير.
و قد وقع في ظنون النّاس أنّه يكفي أن يقال: «إنه قدم للعناية، و لأن ذكره أهم»، من غير أن يذكر، من أين كانت تلك العناية؟ و بم كان أهمّ؟، و لتخيّلهم ذلك، قد صغر أمر «التقديم و التأخير» في نفوسهم، و هوّنوا الخطب فيه، حتى إنك لترى أكثرهم يرى تتبّعه و النظر فيه ضربا من التكلّف. و لم تر ظنّا أزرى على صاحبه من هذا و شبهه.
و كذلك صنعوا في سائر الأبواب، فجعلوا لا ينظرون في «الحذف و التكرار»، و «الإظهار و الإضمار»، «الفصل و الوصل»، و لا في نوع من أنواع الفروق و الوجوه إلا نظرك فيما غيره أهمّ لك، بل فيما إن لم تعلمه لم يضرك.
لا جرم أنّ ذلك قد ذهب بهم عن معرفة البلاغة، و منعهم أن يعرفوا مقاديرها، و صدّ بأوجههم عن الجهة التي هي فيها، و الشّقّ الذي يحويها. و المداخل التي تدخل منها الآفة على الناس في شأن العلم، و يبلغ الشيطان مراده منهم في الصّد عن طلبه و إحراز فضيلته- كثيرة، و هذه من أعجبها، إن وجدت متعجّبا.
و ليت شعري، إن كانت هذه أمورا هيّنة، و كان المدى فيها قريبا، و الجدا
[١] الجدا: القطيعة. اه القاموس مادة/ جدا/ [١٦٣٨] .