دلائل الإعجاز في علم المعاني - الجرجاني، عبد القاهر - الصفحة ٥١
وجدت الناس بين منكر له من أصله، و متحيّل (١) له على غير وجهه، و معتقد أنه باب لا تقوى عليه العبارة، و لا يملك فيه إلّا الإشارة، و أنّ طريق التعليم إليه مسدود، و باب التفهيم دونه مغلق، و أنّ معانيك فيه معان تأبى أن تبرز من الضمير، و أن تدين للتبيين و التصوير، و أن ترى سافرة لا نقاب عليها، و بادية (٢) لا حجاب دونها، و أن ليس للواصف لها إلا أن يلوّح و يشير، أو يضرب مثلا ينبئ عن حسن قد عرفه على الجملة، و فضيلة قد أحسّها، من غير أن يتبع ذلك بيانا، و يقيم عليه برهانا، و يذكر له علّة، و يورد فيه حجّة. و أنا أنزّل لك القول في ذلك و أدرّجه شيئا فشيئا، و أستعين اللّه تعالى عليه، و أسأله التوفيق.
فصل في اللفظ يطلق و المراد به غير ظاهره.
اعلم أن لهذا الضرب اتّساعا و تفنّنا لا إلى غاية، إلّا أنه على اتساعه يدور في الأمر الأعمّ على شيئين: «الكناية» و «المجاز».
و المراد بالكناية هاهنا أن يريد المتكلم إثبات معنى من المعاني، فلا يذكره باللفظ الموضوع له في اللغة، و لكن يجيء إلى معنى هو تاليه و ردفه في الوجود، فيومئ به إليه، و يجعله دليلا عليه، مثال ذلك قولهم: «هو طويل النجاد»، يريدون طويل القامة، «و كثير رماد القدر»، يعنون كثير القرى، و في المرأة: «نؤوم الضّحى»، و المراد أنها مترفة مخدومة، لها من يكفيها أمرها، فقد أرادوا في هذا كله، كما ترى، معنى، ثم لم يذكروه بلفظه الخاص به، و لكنهم توصّلوا إليه بذكر معنى آخر من شأنه أن يردفه في الوجود، و أن يكون إذا كان. أ فلا ترى أن القامة إذ طالت طال النّجاد؟
و إذا كثر القرى كثر رماد القدر؟ و إذا كانت المرأة مترفة لها من يكفيها أمرها، ردف ذلك أن تنام إلى الضحى؟
و أما «المجاز»، فقد عوّل الناس في حدّه على حديث النّقل، و أنّ كل لفظ نقل عن موضوعه فهو «مجاز»، الكلام في ذلك يطول، و قد ذكرت ما هو الصحيح من ذلك في موضع آخر، و أنا أقتصر هاهنا على ذكر ما هو أشهر منه و أظهر. و الاسم و الشهرة فيه لشيئين: «الاستعارة» و «التمثيل». و إنّما يكون «التمثيل» مجازا إذا جاء على حدّ «الاستعارة».
فالاستعارة: أن تريد تشبيه الشيء بالشيء، فتدع أن تفصح بالتشبيه و تظهره،