دلائل الإعجاز في علم المعاني - الجرجاني، عبد القاهر - الصفحة ٥٠
كانت لكون اللّفظ دالّا، استحال أن يوصف بها المعنى، كما يستحيل أن يوصف المعنى بأنه «دالّ» مثلا، فاعرفه.
فإن قيل: فما ذا دعا القدماء إلى أن قسّموا الفضيلة بين المعنى و اللفظ فقالوا:
«معنى لطيف، و لفظ شريف»، و فخّموا شأن اللّفظ و عظّموه حتى تبعهم في ذلك من بعدهم، و حتى قال أهل النّظر: «إنّ المعاني لا تتزايد، و إنما تتزايد الألفاظ»، فأطلقوا كما ترى كلاما يوهم كل من يسمعه أن المزية في حاق اللفظ؟.
قيل له: لما كانت المعاني إنما تتبيّن بالألفاظ، و كان لا سبيل للمرتّب لها و الجامع شملها، إلى أن يعلمك ما صنع في ترتيبها بفكره، إلّا بترتيب الألفاظ في نطقه، تجوّزوا فكنوا عن ترتيب المعاني بترتيب الألفاظ، ثم بالألفاظ بحذف «الترتيب»، ثم أتبعوا ذلك من الوصف و النّعت ما أبان الغرض و كشف عن المراد، كقولهم: «لفظ متمكّن»، يريدون أنه بموافقة معناه لمعنى ما يليه كالشيء الحاصل في مكان صالح يطمئن فيه.
«و لفظ قلق ناب»، يريدون أنه من أجل أن معناه غير موافق لما يليه، كالحاصل في مكان لا يصلح له، فهو لا يستطيع الطّمأنينة فيه إلى سائر ما يجيء في صفة اللفظ، مما يعلم أنه مستعار له من معناه، و أنهم نحلوه إيّاه، بسبب مضمونه و مؤدّاه.
هذا، و من تعلّق بهذا و شبهه و اعترضه الشك فيه، بعد الذي مضى من الحجج، فهو رجل قد أنس بالتقليد، فهو يدعو الشبهة إلى نفسه من هاهنا و ثمّ. و من كان هذا سبيله، فليس له دواء سوى السكوت عنه، و تركه و ما يختاره لنفسه من سوء النظر و قلّة التدبّر.
قد فرغنا الآن من الكلام على جنس المزيّة، و أنها من حيز المعاني دون الألفاظ، و أنها ليست لك حيث تسمع بأذنك، بل حيث تنظر بقلبك، و تستعين بفكرك، و تعمل رويّتك، و تراجع عقلك، و تستنجد في الجملة فهمك، و بلغ القول في ذلك أقصاه، و انتهى إلى مداه، و ينبغي أن نأخذ الآن في تفصيل أمر المزيّة، و بيان الجهات التي منها تعرض. و إنه لمرام صعب و مطلب عسير، و لو لا أنه على ذلك، لما
[١] الوسط: تقول سقط عن حقّ رأسه أي وسطه. اه القاموس/ حقق/ [١١٢٩] .