دلائل الإعجاز في علم المعاني - الجرجاني، عبد القاهر - الصفحة ٤٧
أي لا أمدحه بشيء إلّا صدّقني الناس فيه.
و منه ما يكون فيه بعض الكلفة على اللسان، إلّا أنّه لا يبلغ أن يعاب به صاحبه و يشهّر أمره في ذلك و يحفظ عليه.
و يزعم أن الكلام إذا سلم من ذلك وصفا من شوبه، كان الفصيح المشاد به و المشار إليه، و أنّ الصّفاء أيضا يكون على مراتب يعلو بعضها بعضا، و أنّ له غاية إذا انتهى إليها كان الإعجاز.
و الذي يبطل هذه الشبهة، إن ذهب إليها ذاهب، أنّا إن قصرنا صفة «الفصاحة» على كون اللفظ كذلك، و جعلناه المراد بها، لزمنا أن نخرج «الفصاحة» من حيّز «البلاغة»، و من أن تكون نظيرة لها، و إذا فعلنا ذلك، لم نخل من أحد أمرين: إمّا أن نجعله العمدة في المفاضلة بين العبارتين و لا نعرّج على غيره، و إمّا أن نجعله أحد ما نفاضل به، و وجها من الوجوه التي تقتضي تقديم كلام على كلام.
فإن أخذنا بالأوّل، لزمنا أن نقصر الفضيلة عليه حتى لا يكون الإعجاز إلا به و فيه، و في ذلك ما لا يخفى من الشّناعة، لأنه يؤدّي إلى أن لا يكون للمعاني التي ذكروها في حدود البلاغة- من وضوح الدّلالة، و صواب الإشارة، و تصحيح الأقسام، و حسن الترتيب و النظام، و الإبداع في طريقة التشبيه و التمثيل، و الإجمال ثم التفصيل، و وضع الفصل و الوصل موضعهما، و توفية الحذف و التأكيد و التقديم و التأخير شروطهما- مدخل فيما له كان القرآن معجزا، حتّى يدّعى أنه لم يكن معجزا من حيث هو بليغ، و لا من حيث هو قول فصل، و كلام شريف النظم بديع التأليف، و ذلك أنه لا تعلّق لشيء من هذه المعاني بتلاؤم الحروف.
و إن أخذنا بالثاني، و هو أن يكون تلاؤم الحروف وجها من وجوه الفضيلة، و داخلا في عداد ما يفاضل به بين كلام و كلام على الجملة، لم يكن لهذا الخلاف ضرر علينا، لأنه ليس بأكثر من أن نعمد إلى «الفصاحة» فنخرجها من حيّز «البلاغة و البيان»، و أن تكون نظيرة لهما، و في عداد ما هو شبههما من البراعة و الجزالة و أشباه ذلك، مما ينبئ عن شرف النظم، و عن المزايا التي شرحت لك أمرها، و أعلمتك جنسها، أو نجعلها اسما مشتركا يقع تارة لما تقع له تلك، و أخرى لما يرجع إلى سلامة اللفظ ممّا يثقل على اللسان. و ليس واحد من الأمرين بقادح فيما نحن بصدده.
[١] الخلط. اه القاموس/ شوب/ [١٣٢] .
[٢] يقال: أشاد فلان بذكر فلان في الخير و الشر إذا نهره و رفعه. اللسان/ شود/ (٣/ ٢٤٣).