دلائل الإعجاز في علم المعاني - الجرجاني، عبد القاهر - الصفحة ٣٤٦
على شيء، ثم لا يحصل منه العلم بذلك الشيء، إذ لا معنى لكون الشيء دليلا إلّا إفادته إيّاك العلم بما هو دليل عليه. و إذا كان هذا كذلك علم منه أن ليس الأمر على ما قالوه، من أن المعنى في وصفنا «اللفظ» بأنه خبر، أنه قد وضع لأن يدلّ على وجود المعنى أو عدمه، لأنه لو كان كذلك، لكان ينبغي أن لا يقع من سامع شكّ في خبر يسمعه، و أن لا تسمع الرّجل يثبت و ينفي إلّا علمت وجود ما أثبت و انتفاء ما نفى، و ذلك مما لا يشكّ في بطلانه. فإذا لم يكن ذلك مما يشكّ في بطلانه، وجب أن يعلم أنّ مدلول «اللفظ» ليس هو وجود المعنى أو عدمه، و لكن الحكم بوجود المعنى أو عدمه، و أنّ ذلك، أي الحكم بوجود المعنى أو عدمه، حقيقة الخبر، إلّا أنه إذا كان بوجود المعنى من الشيء أو فيه يسمّى «إثباتا»، و إذا كان بعدم المعنى و انتفائه عن الشيء يسمى «نفيا».
و من الدليل على فساد ما زعموه، أنه لو كان معنى «الإثبات»، الدلالة على وجود المعنى و إعلامه السامع أيضا، و كان معنى «النفي» الدلالة على عدمه و إعلامه السامع أيضا، لكان ينبغي إذا قال واحد: «زيد عالم»، و قال آخر: «زيد ليس بعالم»، أن يكون قد دلّ هذا على وجود العلم و هذا على عدمه، و إذا قال الموحّد: «العالم محدث» و قال الملحد: «هو قديم»، أن يكون قد دلّ الموحّد على حدوثه، و الملحد على قدمه، و ذلك ما لا يقوله عاقل.
تقرير لذلك بعبارة أخرى:
لا يتصوّر أن تفتقر المعاني المدلول عليها بالجمل المؤلّفة إلى دليل يدلّ عليها زائد على اللفظ. كيف؟ و قد أجمع العقلاء على أن العلم بمقاصد النّاس في محاوراتهم علم ضرورة، و من ذهب مذهبا يقتضي أن لا يكون «الخبر» معنى في نفس المتكلم، و لكن يكون وصفا للّفظ من أجل دلالته على وجود المعنى من الشيء أو فيه، أو انتفاء وجوده عنه، كان قد نقض منه الأصل الذي قدّمناه، من حيث يكون قد جعل المعنى المدلول عليه باللفظ، لا يعرف إلا بدليل سوى اللفظ. ذاك لأنا لا نعرف وجود المعنى المثبت و انتفاء المنفيّ باللفظ، و لكنا نعلمه بدليل يقوم لنا زائد على اللفظ. و ما من عاقل إلّا و هو يعلم ببديهة النّظر أنّ المعلوم بغير اللفظ، لا يكون مدلول اللفظ.
طريقة أخرى: الدّلالة على الشيء هي لا محالة إعلامك السامع إيّاه، و ليس بدليل ما أنت لا تعلم به مدلولا عليه. و إذا كان كذلك، و كان ممّا يعلم ببدائه