دلائل الإعجاز في علم المعاني - الجرجاني، عبد القاهر - الصفحة ٣٤٥
و كذلك فانظر إذا قيل لك: «كيف زيد؟»، فقلت: «صالح»، هل يكون نقولك «صالح» أثر في نفسك من دون أن تريد «هو صالح»؟ أم هل يعقل السّامع منه شيئا إن هو لم يعتقد ذلك؟ فإنه ممّا لا يبقى معه لعاقل شكّ أن «الخبر» معنى لا يتصوّر إلّا بين شيئين، يكون أحدهما مثبتا، و الآخر مثبتا له، أو يكون أحدهما منفيّا، و الآخر منفيّا عنه و أنه لا يتصوّر مثبت من غير مثبت له، و منفيّ من دون منفيّ عنه.
و لما كان الأمر كذلك، أوجب ذلك أن لا يعقل إلّا من مجموع جملة فعل و اسم كقولنا: «خرج زيد»، أو اسم و اسم، كقولنا: «زيد منطلق»، فليس في الدنيا خبر يعرف من غير هذا السبيل، و بغير هذا الدليل. و هو شيء يعرفه العقلاء في كل جيل و أمّة، و حكم يجري عليه الأمر في كل لسان و لغة.
و إذ قد عرفت أنه لا يتصوّر الخبر إلّا فيما بين شيئين: مخبر به و مخبر عنه، فينبغي أن تعلم أنه يحتاج من بعد هذين إلى ثالث. و ذلك أنه كما لا يتصوّر أن يكون هاهنا خبر حتى يكون مخبر به و مخبر عنه، و كذلك لا يتصوّر أن يكون خبر حتّى يكون له «مخبر» يصدر عنه و يحصل من جهته، و يكون له نسبة إليه، و تعود التّبعة فيه عليه، فيكون هو الموصوف بالصّدق إن كان صدقا، و بالكذب إن كان كذبا. أ فلا ترى أنّ من المعلوم أنه لا يكون إثبات و نفي حتى يكون مثبت و ناف يكون مصدرهما من جهته، و يكون هو المزجيّ لهما، و المبرم و الناقض فيهما، و يكون بهما موافقا و مخالفا، و مصيبا و مخطئا، و محسنا و مسيئا.
- و جملة الأمر، أن «الخبر» و جميع الكلام، معان ينشئها الإنسان في نفسه، و يصرّفها في فكره، و يناجي بها قلبه، و يراجع فيها عقله، و توصف بأنها مقاصد و أغراض، و أعظمها شأنا «الخبر»، فهو الذي يتصوّر بالصّور الكثيرة، و تقع فيه الصّناعات العجيبة، و فيه يكون، في الأمر الأعمّ، المزايا التي بها يقع التفاضل في الفصاحة، كما شرحنا فيما تقدّم، و نشرحه فيما نقول من بعد إن شاء اللّه تعالى.
و اعلم أنك إذا فتّشت أصحاب «اللّفظ» عمّا في نفوسهم، و جدتهم قد توهّموا في «الخبر» أنه صفة للفظ، و أن المعنى في كونه إثباتا، أنه لفظ يدلّ على وجود لمعنى من الشيء أو فيه و في كونه نفيا، أنه لفظ يدلّ على عدمه و انتفائه عن الشيء.
و هو شيء قد لزمهم، و سرى في عروقهم، و امتزج بطباعهم، حتى صار الظنّ بأكثرهم أنّ القول لا ينجع فيهم.
و الدليل على بطلان ما اعتقدوه، أنّه محال أن يكون «اللّفظ» قد نصب دليلا