دلائل الإعجاز في علم المعاني - الجرجاني، عبد القاهر - الصفحة ٣٠٤
«و ذهب الشّيخ إلى استحسان المعاني، و المعاني مطروحة وسط الطريق، يعرفها العربيّ و العجميّ، و الحضريّ و البدويّ، و إنما الشعر صياغة و ضرب من التّصوير».
و ما يعنونه إذا قالوا: «إنه يأخذ الحديث فيشنّفه و يقرّطه، و يأخذ المعنى خرزة فيردّه جوهرة، و عباءة فيجعله ديباجة، و يأخذه عاطلا فيردّه حاليا». و ليس كون هذا مرادهم، بحيث كان ينبغي أن يخفى هذا الخفاء و يشتبه هذا الاشتباه، و لكن إذا تعاطى الشيء غير أهله، و تولّى الأمر غير البصير به، أعضل الداء، و اشتدّ البلاء. و لو لم يكن من الدّليل على أنهم لم ينحلوا «اللّفظ» الفضيلة و هم يريدونه نفسه و على الحقيقة إلّا واحد، و هو وصفهم له بأنه يزين المعنى، و أنّه حلي له لكان فيه الكفاية.
و ذاك أن الألفاظ أدلّة على المعاني، و ليس للدّليل إلّا أن يعلمك الشيء على ما يكون عليه، فأمّا أن يصير الشيء بالدليل، على صفة لم يكن عليها، فما لا يقوم في عقل، و لا يتصوّر في وهم.
و ممّا إذا تفكّر فيه العاقل أطال التعجّب من أمر النّاس، و من شدة غفلتهم قول العلماء حيث ذكروا «الأخذ» و «السرقة»: «إنّ من أخذ معنى عاريا، فكساه لفظا من عنده كان أحقّ به»، و هو كلام مشهور متداول يقرأه الصّبيان في أوّل كتاب «عبد الرحمن»، ثم لا ترى أحدا من هؤلاء الذين لهجوا بجعل الفضيلة في «اللّفظ»، يفكّر في ذلك فيقول: من أين يتصوّر أن يكون هاهنا معنى عار من لفظ يدلّ عليه؟ ثم من أين يعقل أن يجيء الواحد منّا لمعنى من المعاني بلفظ من عنده، إن كان المراد باللفظ نطق اللسان؟
ثم هب أنه يصحّ له أن يفعل ذلك، فمن أين يجب إذا وضع لفظا على معنى، أن يصير أحقّ به من صاحبه الذي أخذه منه، إن كان هو لا يصنع بالمعنى شيئا، و لا يحدث فيه صفة، و لا يكسبه فضيلة؟ و إذا كان كذلك، فهل يكون لكلامهم هذا وجه سوى أن يكون «اللفظ» في قولهم «فكساه لفظا من عنده»، عبارة عن صورة يحدثها الشاعر أو غير الشاعر للمعنى؟
فإن قالوا: بلى يكون، و هو أن يستعير للمعنى لفظا.
قيل: الشأن في أنّهم قالوا: «إذا أخذ معنى عاريا فكساه لفظا من عنده، كان أحق به»، و «الاستعارة» عندكم مقصورة على مجرّد اللّفظ، و لا ترون المستعير يصنع
[١] كلام في مقدمة «الألفاظ الكتابية» لعبد الرحمن بن عيسى الهمذاني.
[٢] الكلام لعبد الرحمن في كتابه «الألفاظ الكتابية».