دلائل الإعجاز في علم المعاني - الجرجاني، عبد القاهر - الصفحة ٣٠١
و لما ذكروا معجزات الأنبياء عليهم السلام و قالوا: إنّ اللّه تعالى قد جعل معجزة كلّ نبي فيما كان أغلب على الذين بعث فيهم، و فيما كانوا يتباهون به، و كانت عوامّهم تعظّم به خواصّهم قالوا: إنّه لما كان السّحر الغالب على قوم فرعون، و لم يكن قد استحكم في زمان استحكامه في زمانه، جعل تعالى معجزة موسى عليه السلام في إبطاله و توهينه و لمّا كان الغالب على زمان عيسى عليه السلام الطبّ، جعل اللّه تعالى معجزته في إبراء الأكمه و الأبرص و إحياء الموتى و لما انتهوا إلى ذكر نبيّنا محمد صلى اللّه عليه و سلّم و ذكر ما كان الغالب على زمانه، لم يذكروا إلا البلاغة و البيان و التصرّف في ضروب النّظم.
و قد ذكرت في الذي تقدّم غير ما ذكرته هاهنا، مما يدلّ على سقوط هذا القول، و ما دعاني إلى إعادة ذكره إلّا أنه ليس لتهالك النّاس في حديث «اللّفظ»، و المحاماة على الاعتقاد الذي اعتقدوه فيه و ضنّ أنفسهم به حدّ، فأحببت لذلك أن لا أدع شيئا مما يجوز أن يتعلّق به متعلّق، و يلجأ إليه لاجئ، و يقع منه في نفس سامع شكّ، إلّا استقصيت في الكشف عن بطلانه.
و هاهنا أمر عجيب، و هو أنه معلوم لكل من نظر، أن الألفاظ من حيث هي ألفاظ و كلم و نطق لسان، لا تختصّ بواحد دون آخر، و أنها إنما تختصّ إذا توخّى فيها النظم. و إذا كان كذلك، كان من رفع «النّظم» من البين، و جعل الإعجاز بجملته في سهولة الحروف و جريانها، جاعلا له فيما لا يصحّ إضافته إلى اللّه تعالى. و كفى بهذا دليلا على عدم التوفيق، و شدّة الضّلال عن الطريق.
فصل [في ختام كتابه دلائل الإعجاز يصف به عمله]
قد بلغنا في مداواة النّاس من دائهم، و علاج الفساد الذي عرض في آرائهم كلّ مبلغ، و انتهينا إلى كلّ غاية، و أخذنا بهم عن المجاهل التي كانوا يتعسّفون فيها إلى السّنن اللّاحب، و نقلناهم عن الآجن المطروق إلى النّمير الذي يشفي غليل الشّارب، و لم ندع لباطلهم عرقا ينبض إلا كويناه، و لا للخلاف لسانا ينطق إلّا أخرسناه، و لم نترك غطاء كان على بصر ذي عقل إلّا حسرناه، فيا أيها السامع لما قلناه، و الناظر فيما كتبناه، و المتصفّح لما دوّنّاه، إن كنت سمعت سماع صادق الرّغبة في أن تكون في أمرك على بصيرة، و نظرت نظر تامّ العناية في أن يورد و يصدر عن معرفة، و تصفّحت