دلائل الإعجاز في علم المعاني - الجرجاني، عبد القاهر - الصفحة ٢٩٥
و كيف لا يكون في إسار الأخذة، و محولا بينه و بين الفكرة من يسلّم أن الفصاحة لا تكون في أفراد الكلمات، و أنها إنّما تكون فيها إذا ضمّ بعضها إلى بعض، ثم لا يعلم أنّ ذلك يقتضي أن تكون وصفا لها، من أجل معانيها، لا من أجل أنفسها، و من حيث هي ألفاظ و نطق لسان؟
ذاك لأنه ليس من عاقل يفتح عين قلبه، إلّا و هو يعلم ضرورة أنّ المعنى في «ضمّ بعضها إلى بعض»، تعليق بعضها ببعض، و جعل بعضها بسبب من بعض، لا أن ينطق بعضها في أثر بعض، من غير أن يكون فيما بينها تعلّق، و يعلم كذلك ضرورة إذا فكّر، أن التعلّق يكون فيما بين معانيها، لا فيما بينها أنفسها. أ لا ترى أنّا لو جهدنا كلّ الجهد أن نتصوّر تعلّقا فيما بين لفظين لا معنى تحتهما، لم نتصوّر؟ و من أجل ذلك انقسمت الكلم قسمين: «مؤتلف» و هو الاسم مع الاسم، و الفعل مع الاسم، و «غير مؤتلف» و هو ما عدا ذلك كالفعل مع الفعل، و الحرف مع الحرف. و لو كان التعلّق يكون بين الألفاظ، لكان ينبغي أن لا يختلف حالها في الائتلاف، و أن لا يكون في الدنيا كلمتان إلّا و يصحّ أن يأتلفا، لأنه لا تنافي بينهما من حيث هي ألفاظ.
و إذا كان كلّ واحد منهم قد أعطى يده بأن الفصاحة لا تكون في الكلم أفرادا، و أنّها إنّما تكون إذا ضمّ بعضها إلى بعض، و كان يكون المراد بضمّ بعضها إلى بعض، تعليق معانيها بعضها ببعض، لا كون بعضها في النّطق على إثر بعض كان واجبا، و إذا علم ذلك، أن يعلم أنّ الفصاحة تجب لها من أجل معانيها، لا من أجل أنفسها، لأنه محال أن يكون سبب ظهور الفصاحة فيها، تعلّق معانيها بعضها ببعض، ثم تكون الفصاحة وصفا يجب لها لأنفسها لا لمعانيها. و إذا كان العلم بهذا ضرورة، ثم رأيتهم لا يعلمونه، فليس إلّا أن اعتزامهم على التّقليد قد حال بينهم و بين الفكرة، و عرض لهم منه شبه الأخذة.
و اعلم أنّك إذا نظرت وجدت مثلهم مثل من يرى خيال الشيء فيحسبه الشيء.
و ذاك أنهم قد اعتمدوا في كلّ أمرهم على النّسق الذي يرونه في الألفاظ، و جعلوا لا يحفلون بغيره، و لا يعوّلون في الفصاحة و البلاغة على شيء سواه، حتى انتهوا إلى أن زعموا أن من عمد إلى شعر فصيح فقرأه و نطق بألفاظه على النّسق الذي وضعها الشاعر عليه، كان قد أتى بمثل ما أتى به الشاعر في فصاحته و بلاغته إلّا أنهم زعموا أنه يكون في إتيانه به محتذيا لا مبتدئا.
و نحن إذا تأمّلنا وجدنا الذي يكون في الألفاظ من تقديم شيء منها على