دلائل الإعجاز في علم المعاني - الجرجاني، عبد القاهر - الصفحة ٢٩٠
و كذلك قولهم: «لفظ ليس فيه فضل عن معناه»، محال أن يكون المراد به «اللّفظ»، لأنه ليس هاهنا اسم أو فعل أو حرف يزيد على معناه أو أن ينقص عنه.
كيف؟ و ليس بالذّرع وضعت الألفاظ على المعاني.
و إن اعتبرنا المعاني المستفادة من الجمل، فكذلك. و ذلك أنه ليس هاهنا جملة من مبتدأ و خبر أو فعل و فاعل، يحصل بها الإثبات أو النّفي، أتمّ أو أنقص مما يحصل بأخرى. و إنّما فضل اللفظ عن المعنى: أن تزيد الدّلالة بمعنى على معنى، فتدخل في أثناء ذلك شيئا لا حاجة بالمعنى المدلول عليه إليه. و كذلك السبيل في «السّبك و الطّابع» و أشباههما، لا يحتمل شيء من ذلك أن يكون المراد به «اللّفظ» من حيث هو لفظ.
فإن أردت الصدق، فإنّك لا ترى في الدنيا شأنا أعجب من شأن الناس مع «اللفظ»، و لا فساد رأي مازج النفوس و خامرها و استحكم فيها و صار كإحدى طبائعها، من رأيهم في «اللفظ». فقد بلغ من ملكته لهم و قوّته عليهم، أن تركهم و كأنهم إذا نوظروا فيه أخذوا عن أنفسهم، و غيّبوا عن عقولهم، و حيل بينهم و بين أن يكون لهم فيما يسمعونه نظر، و يرى لهم إيراد في الإصغاء و صدر، فلست ترى إلا نفوسا قد جعلت ترك النّظر دأبها، و وصلت بالهوينا أسبابها، فهي تغترّ بالأضاليل و تتباعد عن التحصيل، و تلقي بأيديها إلى الشّبه، و تسرع إلى القول المموّه.
و لقد بلغ من قلّة نظرهم أن قوما منهم لما رأوا الكتب المصنّفة في اللّغة قد شاع فيها أن توصف الألفاظ المفردة بالفصاحة، و رأوا أبا العباس ثعلبا قد سمّى كتابه «الفصيح»، مع أنه لم يذكر فيه إلّا اللغة و الألفاظ المفردة، و كان محالا إذا قيل: إن «الشّمع» بفتح الميم، أفصح من «الشّمع» بإسكانه، و أن يكون ذلك من أجل المعنى، إذ ليس تفيد الفتحة في الميم شيئا في الذي سمّي به سبق إلى قلوبهم أنّ حكم الوصف بالفصاحة أينما كان و في أيّ شيء كان، أن لا يكون له مرجع إلى المعنى البتّة، و أن يكون وصفا للّفظ في نفسه، و من حيث هو لفظ و نطق لسان و لم يعلموا أن المعنى في وصف الألفاظ المفردة بالفصاحة، أنها في اللّغة أثبت، و في استعمال الفصحاء أكثر.
أو أنها أجرى على مقاييس اللغة و القوانين التي وضعوها، و أنّ الذي هو معنى «الفصاحة» في أصل اللغة، هو الإبانة عن المعنى، بدلالة قولهم: «فصيح» و «أعجم»،
[١] كتاب في الأدب و اللغة لثعلب النحوي المتوفى سنة (٢٩١ ه)، و له شروح كثيرة منها شرح المبرد، كشف الظنون (٢/ ١٢٧٢).