دلائل الإعجاز في علم المعاني - الجرجاني، عبد القاهر - الصفحة ٢٨١
من حيث يكون القصد بالإثبات فيها إلى معنى ليس هو معنى اللّفظ، و لكنه معنى يستدلّ بمعنى اللفظ عليه، و يستنبط منه، كنحو ما ترى من أن القصد في قولهم:
«هو كثير رماد القدر»، إلى كثرة القرى، و أنت لا تعرف ذلك من هذا اللفظ الذي تسمعه، و لكنك تعرفه بأن تستدلّ عليه بمعناه، و على ما مضى الشرح فيه.
و إذ قد عرفت ذلك، فينبغي أن يقال لهؤلاء الذين اعترضوا علينا في قولنا: «إنّ الفصاحة وصف يجب للكلام من أجل مزيّة تكون في معناه، و أنها لا تكون وصفا له من حيث اللّفظ مجرّدا عن المعنى»، و احتجّوا بأن قالوا: «إنه لو كان الكلام إذا وصف بأنه فصيح، كان ذلك من أجل مزيّة تكون في معناه، لوجب أن يكون تفسيره فصيحا مثله» أخبرونا عنكم، أ ترون أنّ من شأن هذه الأجناس، إذا كانت في الكلام، أن تكون له بها مزيّة توجب له الفصاحة، أم لا ترون ذلك؟
فإن قالوا: لا نرى ذلك لم يكلّموا و إن قالوا: نرى للكلام، إذا كانت فيه، مزيّة توجب له الفصاحة.
قيل لهم: فأخبرونا عن تلك المزية، أ تكون في اللفظ أم في المعنى؟
فإن قالوا: في اللفظ دخلوا في الجهالة، من حيث يلزم من ذلك أن تكون «الكناية» و «الاستعارة» و «التمثيل» أوصافا للفظ، لأنه لا يتصوّر أن تكون مزيّتها في اللفظ حتى تكون أوصافا له. و ذلك محال، من حيث يعلم كلّ عاقل أنه لا يكنى باللفظ عن اللفظ، و أنه إنّما يكنى بالمعنى عن المعنى. و كذلك يعلم أنه لا يستعار اللفظ مجرّدا عن المعنى، و لكن يستعار المعنى، ثم اللفظ يكون تبع المعنى، على ما قدّمنا الشرح فيه. و يعلم كذلك أنّه محال أن يضرب «المثل» باللفظ، و أن يكون قد ضرب لفظ: «أراك تقدّم رجلا و تؤخّر أخرى» مثلا لتردّده في أمر البيعة.
و إن قالوا: هي في المعنى.
قيل لهم: فهو ما أردناكم عليه، فدعوا الشكّ عنكم، و انتبهوا من رقدتكم، فإنّه علم ضروريّ قد أدّى التقسيم إليه، و كلّ علم كان كذلك، فإنه يجب القطع على كلّ سؤال يسأل فيه بأنّه خطأ، و أنّ السّائل ملبوس عليه.
ثم إن الذي يعرف به وجه دخول الغلط عليهم في قولهم: «إنّه لو كان الكلام يكون فصيحا من أجل مزيّة تكون في معناه، لوجب أن يكون تفسيره فصيحا مثله»، هو أنّك إذا نظرت إلى كلامهم هذا وجدتهم كأنهم قالوا: «إنه لو كان الكلام إذا كان