دلائل الإعجاز في علم المعاني - الجرجاني، عبد القاهر - الصفحة ٢٧٤
و كذا إذا قلت: «رأيت أسدا»، كان له مزيّة لا تكون إذا قلت: «رأيت رجلا يشبه الأسد و يساويه في الشجاعة».
و كذلك إذا قلت: «أراك تقدّم رجلا و تؤخّر أخرى»، كان له موقع لا يكون إذا قلت: «أراك تتردد في الذي دعوتك إليه، كمن يقول: أخرج و لا أخرج، فيقدّم رجلا و يؤخّر أخرى».
و كذلك إذا قلت: «ألقى حبله على غاربه»، كان له مأخذ من القلب لا يكون إذا قلت: «هو كالبعير الذي يلقى حبله على غاربه حتى يرعى كيف يشاء و يذهب حيث يريد».
لا يجهل المزيّة فيه إلا عديم الحسّ ميّت النفس، و إلّا من لا يكلّم، لأنه من مبادئ المعرفة التي من عدمها لم يكن للكلام معه معنى.
و إذ قد عرفت هذه الجملة، فينبغي أن تنظر إلى هذه المعاني واحدا واحدا، و تعرف محصولها و حقائقها، و أن تنظر أوّلا إلى «الكناية»، و إذا نظرت إليها وجدت حقيقتها و محصول أمرها أنّها إثبات لمعنى، أنت تعرف ذلك المعنى من طريق المعقول دون طريق اللفظ. أ لا ترى أنك لما نظرت إلى قولهم: «هو كثير رماد القدر»، و عرفت منه أنهم أرادوا أنه كثير القرى و الضيافة، لم تعرف ذلك من اللفظ، و لكنّك عرفته بأن رجعت إلى نفسك فقلت: إنّه كلام قد جاء عنهم في المدح، و لا معنى للمدح بكثرة الرّماد، فليس إلا أنّهم أرادوا أن يدلّوا بكثرة الرّماد على أنه تنصب له القدور الكثيرة، و يطبخ فيها للقرى و الضّيافة. و ذلك لأنه إذا كثر الطبخ في القدور كثر إحراق الحطب تحتها، و إذا كثر إحراق الحطب كثر الرّماد لا محالة.
و هكذا السبيل في كلّ ما كان «كناية». فليس من لفظ الشّعر عرفت أن ابن هرمة أراد بقوله:
و لا أبتاع إلّا قريبة الأجل التمدّح بأنه مضياف، و لكنّك عرفته بالنّظر اللطيف، و بأن علمت أنه لا معنى للتمدّح بظاهر ما يدلّ عليه اللّفظ من قرب أجل ما يشتريه، فطلبت له تأويلا، فعلمت أنه أراد أنّه يشتري ما يشتريه للأضياف، فإذا اشترى شاة أو بعيرا، كان قد اشترى ما قد دنا أجله، لأنه يذبح و ينحر عن قريب.
[١] راجع ص [١٨١] هامش [١] .