دلائل الإعجاز في علم المعاني - الجرجاني، عبد القاهر - الصفحة ٢٧٣
لشيء غاظه منه، فذكر أنّه إن قتله قتل ارتدع، صار المهموم بقتله كأنه قد استفاد حياة فيما يستقبل بالقصاص» كنا قد أدّينا المعنى في تفسيرنا هذا على صورته التي هو عليها في الآية، حتى لا نعرف فضلا، و حتى يكون حال الآية و التفسير حال اللّفظتين إحداهما غريبة و الأخرى مشهورة، فتفسّر الغريبة بالمشهورة، مثل أن تقول مثلا في «الشّرجب» إنه الطويل، و في «القطّ» إنه الكتاب، و في «الدّسر» إنه المسامير. و من صار الأمر به إلى هذا، كان الكلام معه محالا.
و اعلم أنه ليس عجب أعجب من حال من يرى كلامين، أجزاء أحدهما مخالفة في معانيها لأجزاء الآخر، ثم يرى أنه يسع في العقل أن يكون معنى أحد الكلامين مثل معنى الآخر سواء، حتى يقعد فيقول: «إنّه لو كان يكون الكلام فصيحا من أجل مزيّة تكون في معناه، لكان ينبغي أن توجد تلك المزيّة في تفسيره». و مثله في العجب أنّه ينظر إلى قوله تعالى: فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ [البقرة: ١٦]، فيرى إعراب الاسم الذي هو «التجارة»، قد تغير فصار مرفوعا بعد أن كان مجرورا، و يرى أنّه قد حذف من اللفظ بعض ما كان فيه، و هو «الواو» في «ربحوا»، و «في» من قولنا: «في تجارتهم»، ثم لا يعلم أن ذلك يقتضي أن يكون المعنى قد تغيّر كما تغيّر اللفظ!! و اعلم أنه ليس للحجج و الدّلائل في صحة ما نحن عليه حدّ و نهاية، و كلما انتهى منه باب انفتح فيه باب آخر. و قد أردت أن آخذ في نوع آخر من الحجاج، و من البسط و الشّرح، فتأمل ما أكتبه لك.
اعلم أن الكلام الفصيح ينقسم قسمين: قسم تعزى المزيّة و الحسن فيه إلى اللفظ و قسم يعزى ذلك فيه إلى النّظم.
فالقسم الأول: «الكناية» و «الاستعارة» و «التمثيل الكائن على حدّ الاستعارة»، و كلّ ما كان فيه، على الجملة، مجاز و اتّساع و عدول باللفظ عن الظاهر، فما من ضرب من هذه الضّروب إلّا و هو إذا وقع على الصّواب و على ما ينبغي، أوجب الفضل و المزية.
فإذا قلت: «هو كثير رماد القدر»، كان له موقع و حظّ من القبول لا يكون إذا قلت: «هو كثير القرى و الضيافة».
و كذا إذا قلت: «هو طويل النجاد»، كان له تأثير في النفس لا يكون إذا قلت:
«هو طويل القامة».
[١] الطويل و الفرس الكريم، ا. ه القاموس «شرجب» [١٢٩] .