دلائل الإعجاز في علم المعاني - الجرجاني، عبد القاهر - الصفحة ٢٦٨
فصل [في مسألة التعبير عن المعنى بلفظين أحدهما فصيح و الآخر غير فصيح]
قد أردت أن أعيد القول في شيء هو أصل الفساد و معظم الآفة، و الذي صار حجازا بين القوم و بين التأمّل، و أخذ بهم عن طريق النّظر، و حال بينهم و بين أن يصغوا إلى ما يقال لهم، و أن يفتحوا للذي تبيّن أعينهم، و ذلك قولهم: «إنّ العقلاء قد اتّفقوا على أنه يصحّ أن يعبّر عن المعنى الواحد بلفظين، ثم يكون أحدهما فصيحا، و الآخر غير فصيح. و ذلك، قالوا، يقتضي أن يكون للّفظ نصيب في المزيّة، لأنها لو، كانت مقصورة على المعنى، لكان محالا أن يجعل لأحد اللفظين فضل على الآخر، مع أن المعبّر عنه واحد».
و هذا شيء تراهم يعجبون به و يكثرون ترداده، مع أنهم يؤكّدونه فيقولون:
«لو لا أنّ الأمر كذلك، لكان ينبغي أن لا يكون للبيت من الشّعر فضل على تفسير المفسّر له، لأنّه إن كان اللّفظ إنما يشرف من أجل معناه، فإنّ لفظ المفسّر يأتي على المعنى و يؤدّيه لا محالة، إذ لو كان لا يؤدّيه، لكان لا يكون تفسيرا له».
ثم يقولون: «و إذا لزم ذلك في تفسير البيت من الشّعر، لزم مثله في الآية من القرآن» و هم إذا انتهوا في الحجاج إلى هذا الموضع، ظنّوا أنّهم قد أتوا بما لا يجوز أن يسمع عليهم معه كلام، و أنه نقض ليس بعده إبرام، و ربما أخرجهم الإعجاب به إلى الضحك و التعجّب ممن يرى أنّ إلى الكلام عليه سبيلا، و أنّه يستطيع أن يقيم على بطلان ما قالوه دليلا.
و الجواب، و باللّه التوفيق، أن يقال للمحتج بذلك: قولك إنّه يصحّ أن يعبّر عن المعنى الواحد بلفظين، يحتمل أمرين:
أحدهما: أن تريد باللفظين كلمتين معناهما واحد في اللغة، مثل «الليث» و «الأسد»، و مثل «شحط» و «بعد»، و أشباه ذلك مما وضع اللفظان فيه لمعنى.
و الثاني: أن تريد كلامين.
فإن أردت الأوّل خرجت من المسألة، لأن كلامنا نحن في فصاحة تحدث من بعد التأليف، دون الفصاحة التي توصف بها اللفظة مفردة، و من غير أن يعتبر حالها مع غيرها.
دلائل الإعجاز في علم المعاني، ص: ٢٦٩
و إن أردت الثاني، و لا بدّ لك من أن تريده، فإن هاهنا أصلا، من عرفه عرف سقوط هذا الاعتراض. و هو أن يعلم أن سبيل المعاني سبيل أشكال الحليّ، كالخاتم و الشّنف و السّوار، فكما أن من شأن هذه الأشكال أن يكون الواحد منها غفلا ساذجا، لم يعمل صانعه فيه شيئا أكثر من أن أتى بما يقع عليه اسم الخاتم إن كان خاتما، و الشّنف إن كان شنفا، و أن يكون مصنوعا بديعا قد أغرب صانعه فيه.
كذلك سبيل المعاني، أن ترى الواحد منها غفلا ساذجا عامّيا موجودا في كلام الناس كلّهم، ثم تراه نفسه و قد عمد إليه البصير بشأن البلاغة و إحداث الصّور في المعاني، فيصنع فيه ما يصنع الصّنع الحاذق، حتى يغرب في الصّنعة، و يدقّ في العمل، و يبدع في الصّياغة. و شواهد ذلك حاضرة لك كيف شئت، و أمثلته نصب عينيك من أين نظرت.
تنظر إلى قول النّاس: «الطبع لا يتغيّر»، و «لست تستطيع أن تخرج الإنسان عمّا جبل عليه»، فترى معنى غفلا عامّيا معروفا في كل جيل و أمة، ثم تنظر إليه في قول المتنبي: [من المتقارب]
يراد من القلب نسيانكم
و تأبى الطّباع على النّاقل