دلائل الإعجاز في علم المعاني - الجرجاني، عبد القاهر - الصفحة ٢٢٦
أنك نفيت عنه الأوصاف تنافي القيام، نحو أن يكون «جالسا» أو «مضطجعا» أو «متكئا»، أو ما شاكل ذلك و لم ترد أنك نفيت ما ليس من القيام بسبيل، إذ لسنا ننفي عنه بقولنا: «ما هو إلّا قائم» أن يكون «أسود» أو «أبيض» أو «طويلا» أو «قصيرا» أو «عالما» أو «جاهلا»، كما أنّا إذا قلنا: «ما قائم إلّا زيد»، لم نرد أنّه ليس في الدنيا قائم سواه، و إنما نعني ما قائم حيث نحن، و بحضرتنا، و ما أشبه ذلك.
و اعلم أنّ الأمر بيّن في قولنا: «ما زيد إلّا قائم»، أن ليس المعنى على نفي الشّركة، و لكن على نفي أن لا يكون المذكور، و يكون بدله شيء آخر. أ لا ترى أن ليس المعنى أنّه ليس له مع «القيام» صفة أخرى، بل المعنى أن ليس له بدل القيام صفة ليست بالقيام، و أن ليس القيام، منفيّا عنه، و كائنا مكانه فيه «القعود» أو «الاضطجاع» أو نحوهما.
فإن قلت: فصورة المعنى إذن صورته إذا وضعت الكلام «بإنما» فقلت: «إنّما هو قائم»، و نحن نرى أنه يجوز في هذا أن تعطف «بلا» فتقول: «إنما هو قائم لا قاعد»، و لا نرى ذلك جائزا مع «ما» و «إلّا»، إذا ليس من كلام الناس أن يقولوا: «ما زيد إلا قائم لا قاعد».
فإنّ ذلك إنّما لم يجز من حيث أنك إذا قلت: «ما زيد إلا قائم»، فقد نفيت عنه كلّ صفة تنافي «القيام»، و صرت كأنك قلت: «ليس هو بقاعد و لا مضطجع و لا متّكئ»، و هكذا حتّى لا تدع صفة يخرج بها من «القيام». فإذا قلت من بعد ذلك «لا قاعد»، كنت قد نفيت «بلا» العاطفة شيئا قد بدأت فنفيته، و هي موضوعة لأن تنفي بها ما بدأت فأوجبته، لا لأن تفيد بها النّفي في شيء قد نفيته. و من ثمّ لم يجز أن تقول: «ما جاءني أحد لا زيد»، على أن تعمد إلى بعض ما دخل في النفي بعموم «أحد» فتنفيه على الخصوص، بل كان الواجب إذا أردت ذلك أن تقول: «ما جاءني أحد و لا زيد»، فتجيء «بالواو» من قبل «لا»، حتى تخرج بذلك من أن تكون عاطفة، فاعرف ذلك.
و إذ قد عرفت فساد أن تقول: «ما زيد إلّا قائم لا قاعد»، فإنك تعرف بذلك امتناع أن تقول: «ما جاءني إلّا زيد لا عمرو» و «ما ضربت إلّا زيدا لا عمرا»، و ما شاكل ذلك. و ذلك أنّك إذا قلت: «ما جاءني إلّا زيد»، فقد نفيت أن يكون قد جاءك أحد غيره، فإذا قلت: «لا عمرو»، كنت قد طلبت أن تنفي «بلا» العاطفة شيئا قد تقدمت فنفيته، و ذلك، كما عرّفتك، خروج بها عن المعنى الذي وضعت له إلى خلافه.