دلائل الإعجاز في علم المعاني - الجرجاني، عبد القاهر - الصفحة ٢٢١
شرحه، من أنك أردت النصّ على «زيد» أنّه الجائي، و أن تبطل ظنّ المخاطب أن المجيء لم يكن منه، و لكن كان من «عمرو» حسب ما يكون إذا قلت: «جاءني زيد لا عمرو»، فاعرفه.
و إذ قد عرفت هذه الجملة، فإنّا نذكر جملة من القول في «ما» و «إلّا» و ما يكون من حكمهما.
اعلم أنك إذا قلت: «ما جاءني إلّا زيد»: احتمل أمرين:
أحدهما: أن تريد اختصاص «زيد» بالمجيء و أن تنفيه عمن عداه، و أن يكون كلاما تقوله، لا لأنّ بالمخاطب حاجة إلى أن يعلم أن «زيدا» قد جاءك، و لكن لأنّ به حاجة إلى أن يعلم أنه لم يجئ إليك غيره.
و الثاني: أن تريد الذي ذكرناه في «إنّما»، و يكون كلاما تقوله ليعلم أن الجائي «زيد» لا غيره. فمن ذلك قولك للرجل يدّعي أنك قلت قولا ثم قلت خلافه: «ما قلت اليوم إلّا ما قلته أمس بعينه» و يقول: «لم تر زيدا، و إنما رأيت فلانا»، فتقول:
«بل لم أر إلّا زيدا». و على ذلك قوله تعالى: ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَ رَبَّكُمْ [المائدة: ١١٧]، لأنه ليس المعنى: إنّي لم أزد على ما أمرتني به شيئا، و لكن المعنى: إنّي لم أدع ما أمرتني به أن أقوله لهم و قلت خلافه.
و مثال ما جاء في الشعر من ذلك قوله: [من السريع]
قد علمت سلمى و جاراتها
ما قطّر الفارس إلّا أنا