دلائل الإعجاز في علم المعاني - الجرجاني، عبد القاهر - الصفحة ٢١٢
فأما الذي ذكر عن أبي العباس، من جعله لها جواب سائل إذا كانت وحدها، و جواب منكر إذا كان معها اللّام، فالذي يدلّ على أن لها أصلا في الجواب، أنّا رأيناهم قد ألزموها الجملة من المبتدأ و الخبر إذا كانت جوابا للقسم، نحو: «و اللّه إنّ زيدا منطلق»، و امتنعوا من أن يقولوا: «و اللّه زيد منطلق».
ثمّ إنّا إذا استقرينا الكلام وجدنا الأمر بيّنا في الكثير من مواقعها، أنّه يقصد بها إلى الجواب كقوله تعالى: وَ يَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً. إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ [الكهف: ٨٣- ٨٤]، و كقوله عز و جل في أول السورة:
نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ) [الكهف: ١٣]، و كقوله تعالى: فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ [الشعراء: ٢١٦]، و قوله تعالى:
قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ [الأنعام: ٥٦] [غافر: ٦٦]، و قوله: وَ قُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ [الحجر: ٨٩]، و أشباه ذلك ممّا يعلم به أنه كلام أمر النبي صلى اللّه عليه و سلّم بأن يجيب به الكفار في بعض ما جادلوا و ناظروا فيه. و على ذلك قوله تعالى: فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ [الشعراء: ١٦]، و ذاك أنه يعلم أن المعنى: فأتياه، فإذا قال لكما ما شأنكما؟ و ما جاء بكما؟ و ما تقولان؟
فقولا: إنّا رسول رب العالمين. و كذا قوله: وَ قالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ [الأعراف: ١٠٤]، هذا سبيله.
و من البيّن في ذلك قوله تعالى في قصّة السّحرة: قالُوا إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ [الأعراف: ١٢٥]، و ذلك لأنه عيان أنه جواب فرعون عن قوله: آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ [الأعراف: ١٢٣]، فهذا هو وجه القول في نصرة هذه الحكاية.
ثم إنّ الأصل الذي ينبغي أن يكون عليه البناء، هو الذي دوّن في الكتب، من أنّها للتأكيد، و إذا كان قد ثبت ذلك، فإذا كان الخبر بأمر ليس للمخاطب ظنّ في خلافه البتة، و لا يكون قد عقد في نفسه أن الذي تزعم أنّه كائن غير كائن، و أن الذي تزعم أنه لم يكن كائن- فأنت لا تحتاج هناك إلى «إنّ»، و إنما تحتاج إليها إذا كان له ظنّ في الخلاف، و عقد قلب على نفي ما تثبت أو إثبات ما تنفي. و لذلك تراها تزداد حسنا إذا كان الخبر بأمر يبعد مثله في الظن، و لشيء قد جرت عادة الناس بخلافه، كقول أبي نواس: [من السريع]
[١] المقصود به المبرد.