دلائل الإعجاز في علم المعاني - الجرجاني، عبد القاهر - الصفحة ١٩٠
أصلها، و أن يكون القصاص قد كان سببا في كونها في كافة الأوقات. و ذلك خلاف المعنى و غير ما هو المقصود.
و يبيّن ذلك أنّك تقول: «لك في هذا غنى»، فتنكّر إذا أردت أن تجعل ذلك من بعض ما يستغني به، فإن قلت: «لك فيه الغنى»، كان الظاهر أنك جعلت كلّ غناه به.
و أمر آخر، و هو أنه لا يكون ارتداع حتى يكون همّ و إرادة، و ليس بواجب أن لا يكون إنسان في الدنيا إلّا و له عدوّ يهمّ بقتله ثم يردعه خوف القصاص. و إذا لم يجب ذلك، فمن لم يهمّ إنسان بقتله، فكفي ذلك الهمّ لخوف القصاص، فليس هو ممّن حيّ بالقصاص. و إذا دخل الخصوص، فقد وجب أن يقال «حياة» و لا يقال «الحياة»، كما وجب أن يقال «شفاء» و لا يقال «الشّفاء» في قوله تعالى: يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ [النحل: ٦٩]، حيث لم يكن شفاء للجميع.
و اعلم أنه لا يتصوّر أن يكون الذي همّ بالقتل فلم يقتل خوف القصاص داخلا في الجملة، و أن يكون القصاص أفاده حياة كما أفاد المقصود قتله. و ذلك أنّ هذه الحياة إنّما هي لمن كان يقتل لو لا القصاص، و ذلك محال في صفة القاصد للقتل، فإنما يصحّ في وصفه ما هو كالضّدّ لهذا، و هو أن يقال: إنه كان لا يخاف عليه القتل لو لا القصاص. و إذا كان هذا كذلك، كان وجها ثالثا في وجوب التنكير.
فصل: منه في اشتراط الذوق و الأريحية في هذا الباب
و اعلم أنّه لا يصادف القول في هذا الباب موقعا من السامع، و لا يجد لديه قبولا، حتى يكون من أهل الذّوق و المعرفة، و حتى يكون ممن تحدّثه نفسه بأنّ لما يومئ إليه من الحسن و اللّطف أصلا، و حتى يختلف الحال عليه عند تأمّل الكلام، فيجد الأريحيّة تارة، و يعرى منها أخرى، و حتّى إذا عجّبته عجب، و إذا نبّهته لموضع المزية انتبه.
فأمّا من كان الحالان و الوجهان عنده أبدا على سواء، و كان لا يتفقّد من أمر «النّظم» إلا الصّحة المطلقة، و إلّا إعرابا ظاهرا، فما أقلّ ما يجدي الكلام معه. فليكن من هذه صفته عندك بمنزلة من عدم الإحساس بوزن الشعر، و الذّوق الذي يقيمه به، و الطّبع الذي يميّز صحيحه من مكسوره، و مزاحفه من سالمه، و ما خرج من البحر ممّا لم يخرج منه في أنّك لا تتصدّى له، و لا تتكلّف تعريفه، لعلمك أنّه قد عدم الأداة