دلائل الإعجاز في علم المعاني - الجرجاني، عبد القاهر - الصفحة ١٨٨
الصورة المبهجة و المنظر الرّائق و الحسن الباهر، إلى الشيء الغفل الذي لا تحلى منه بكثير طائل، و لا تصير النفس به إلى حاصل. و السبب في أن كان ذلك كذلك، هو أن للتقديم فائدة شريفة و معنى جليلا لا سبيل إليه مع التأخير.
بيانه، أنّا و إن كنّا نرى جملة المعنى و محصوله أنهم جعلوا الجنّ شركاء و عبدوهم مع اللّه تعالى، و كان هذا المعنى يحصل مع التأخير حصوله مع التقديم، فإن تقديم «الشركاء» يفيد هذا المعنى و يفيد معه معنى آخر، و هو أنه ما كان ينبغي أن يكون للّه شريك، لا من الجن و لا غير الجن.
و إذا أخّر فقيل: «جعلوا الجنّ شركاء للّه»، لم يفد ذلك، و لم يكن فيه شيء أكثر من الإخبار عنهم بأنهم عبدوا الجن مع اللّه تعالى، فأمّا إنكار أن يعبد مع اللّه غيره، و أن يكون له شريك من الجن و غير الجن، فلا يكون في اللفظ مع تأخير «الشركاء» دليل عليه. و ذلك أن التقدير يكون مع التقديم: أن «شركاء» مفعول أوّل لجعل، و «للّه» في موضع المفعول الثاني، و يكون «الجن» على كلام ثان، و على تقدير أنه كأنه قيل: «فمن جعلوا شركاء للّه تعالى؟»، فقيل: «الجن». و إذا كان التقدير في «شركاء» أنّه مفعول أوّل، و «للّه» في موضع المفعول الثاني، وقع الإنكار على كون شركاء للّه تعالى على الإطلاق، من غير اختصاص شيء دون شيء. و حصل من ذلك أنّ اتخاذ الشريك من غير الجن قد دخل في الإنكار دخول اتّخاذه من الجنّ، لأنّ الصفة إذا ذكرت مجرّدة غير مجراة على شيء، كان الذي تعلّق بها من النفي عامّا في كل ما يجوز أن تكون له تلك الصفة.
فإذا قلت: «ما في الدار كريم»، كنت نفيت الكينونة في الدار عن كلّ من يكون الكرم صفة له. و حكم الإنكار أبدا حكم النفي. و إذا أخّر فقيل: «و جعلوا الجنّ شركاء للّه»، كان «الجن» مفعولا أوّل، و «الشركاء» مفعولا ثانيا. و إذا كان كذلك، كان «الشركاء» مخصوصا غير مطلق، من حيث كان محالا أن يجرى خبرا على الجن، ثم يكون عامّا فيهم و في غيرهم. و إذا كان كذلك، احتمل أن يكون القصد بالإنكار إلى «الجن» خصوصا، أن يكونوا «شركاء» دون غيرهم، جلّ اللّه تعالى عن أن يكون له شريك و شبيه بحال.
فانظر الآن إلى شرف ما حصل من المعنى بأن قدّم «الشركاء»، و اعتبره فإنه ينبّهك لكثير من الأمور، و يدلّك على عظم شأن «النظم»، و تعلم به كيف يكون الإيجاز به و ما صورته؟ و كيف يزاد في المعنى من غير أن يزاد في اللفظ، إذ قد ترى أن ليس إلا
دلائل الإعجاز في علم المعاني، ص: ١٨٩
تقديم و تأخير، و أنه قد حصل لك بذلك من زيادة المعنى، ما إن حاولته مع تركه لم يحصل لك، و احتجت إلى أن تستأنف له كلاما، نحو أن تقول: «و جعلوا الجنّ شركاء للّه، و ما ينبغي أن يكون للّه شريك لا من الجن و لا من غيرهم»، ثم لا يكون له إذا عقل من كلامين من الشرف و الفخامة و من كرم الموقع في النفس، ما تجده له الآن و قد عقل من هذا الكلام الواحد.
و مما ينظر إلى مثل ذلك، قوله تعالى: وَ لَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ [البقرة: ٩٦]، إذا أنت راجعت نفسك و أذكيت حسّك، وجدت لهذا التنكير و أن قيل: «على حياة»، و لم يقل: «على الحياة»، حسنا و روعة و لطف موقع لا يقادر قدره، و تجدك تعدم ذلك مع التعريف، و تخرج عن الأريحيّة و الأنس إلى خلافهما.
و السبب في ذلك أن المعنى على الازدياد من الحياة لا الحياة من أصلها، و ذلك أنه لا يحرص عليه إلا الحيّ، فأما العادم للحياة فلا يصحّ منه الحرص على الحياة و لا على غيرها. و إذا كان كذلك، صار كأنه قيل: «و لتجدنّهم أحرص الناس، و لو عاشوا ما عاشوا، على أن يزدادوا إلى حياتهم في ماضي الوقت و راهنه، حياة في الذي يستقبل». فكما أنّك لا تقول هاهنا: «أنّ يزدادوا إلى حياتهم الحياة» بالتعريف، و إنما تقول: «حياة» إذ كان التعريف يصلح حيث تراد الحياة على الإطلاق، كقولنا:
«كل أحد يحب الحياة، و يكره الموت»، كذلك الحكم في الآية.
و الذي ينبغي أن يراعى: أنّ المعنى الذي يوصف الإنسان بالحرص عليه، إذا كان موجودا حال وصفك له بالحرص عليه، لم يتصوّر أن تجعله حريصا عليه من أصله. كيف؟ و لا يحرص على الراهن و لا الماضي، و إنما يكون الحرص على ما لم يوجد بعد.
و شبيه بتنكير الحياة في هذه الآية تنكيرها في قوله عز و جل: وَ لَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ [البقرة: ١٧٩]، و ذلك أن السبب في حسن التنكير، و أن لم يحسن التعريف، أن ليس المعنى على الحياة نفسها، و لكن على أنه لما كان الإنسان إذا علم أنه إذا قتل قتل، ارتدع بذلك عن القتل، فسلم صاحبه، صار حياة هذا المهموم بقتله في مستأنف الوقت، مستفادة بالقصاص، و صار كأنّه قد حيي في باقي عمره به. و إذا كان المعنى على حياة في بعض أوقاته، وجب التنكير و امتنع التعريف، من حيث كان التعريف يقتضي أن تكون الحياة قد كانت بالقصاص من
[١] المهموم بقتله: أي الذي قصد قتله.