دلائل الإعجاز في علم المعاني - الجرجاني، عبد القاهر - الصفحة ١٨٢
و ينبغي أن تعلم أنهم إنما قالوا في التفسير: «لم يرها و لم يكد»، فبدءوا فنفوا الرؤية، ثم عطفوا «لم يكد» عليه، ليعلموك أن ليس سبيل «لم يكد» هاهنا سبيل «ما كادوا» في قوله تعالى: فَذَبَحُوها وَ ما كادُوا يَفْعَلُونَ [البقرة: ٧١] في أنه نفي معقّب على إثبات، و أن ليس المعنى على أن رؤية كانت من بعد أن كادت لا تكون، و لكن المعنى على أن رؤيتها لا تقارب أن تكون، فضلا عن أن تكون. و لو كان «لم يكد» يوجب وجود الفعل، لكان هذا الكلام منهم محالا جاريا مجرى أن تقول: «لم يرها و رآها»، فاعرفه.
و هاهنا نكتة، و هي أنّ «لم يكد» في الآية و البيت واقع في جواب «إذا»، و الماضي إذا وقع في جواب الشرط على هذا السبيل، كان مستقبلا في المعنى فإذا قلت: «إذا خرجت لم أخرج»، كنت قد نفيت خروجا فيما يستقبل. و إذا كان الأمر كذلك، استحال أن يكون المعنى في البيت أو الآي على الفعل قد كان، لأنه يؤدي إلى أن يجيء «بلم أفعل» ماضيا صريحا في جواب الشرط فتقول: «إذا خرجت لم أخرج أمس»، و ذلك محال. و مما يتّضح فيه هذا المعنى قول الشاعر: [من المتقارب]
ديار لجهمة بالمنحنى
سقاهنّ مرتجز باكر
و راح عليهنّ ذو هيدب
ضعيف القوى، ماؤه زاخر
إذا رام نهضا بها لم يكد
كذي السّاق أخطأها الجابر